اعتبر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أن مشروع “مراجعة هيكلة الخريطة الجامعية العمومية المغربية.. المرتكزات والرؤية ومنهجية التنزيل” يشكل خطوة مهمة؛ غير أنه يظل غير كاف لتحقيق إصلاح شامل لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي إذا لم يندرج ضمن رؤية إصلاحية متكاملة تعالج مختلف الاختلالات البنيوية التي تعاني منها المنظومة.
وأوضح المجلس، في رأيه حول المشروع، أن مراجعة الخريطة الجامعية العمومية القائمة أساسا على تقسيم عدد من الجامعات الكبرى لا يمكن أن تؤسس لوحدها لتحول عميق في التعليم العالي، ما لم يتم إدراجها ضمن تصور أوسع يستحضر مختلف أبعاد الإصلاح.
وسجل المجلس أن الوثيقة، رغم استنادها إلى عدد من المفاهيم والمبادئ الواردة في المرجعيات القانونية والاستراتيجية الوطنية، تظل محكومة في جوهرها بمقاربة جزئية وتقنية، لا تعكس بالشكل الكافي الطابع النسقي والتحولي الذي يتطلبه إصلاح التعليم العالي. وأكد أن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق من خلال تجميع تدخلات متفرقة؛ بل عبر بناء رؤية شاملة ومندمجة تؤطر مختلف التدخلات وتمنحها معناها واتجاهها ضمن أفق استشرافي واضح.
وفي هذا الإطار، شدد المجلس على أن التحول المنشود لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي يفرض اعتماد مقاربة شمولية متعددة الأبعاد، ترتكز على إعادة هيكلة المنظومة وتعزيز النموذج البيداغوجي وإرساء حكامة ناجعة، فضلا عن تكريس التكامل بين مختلف مسارات التكوين وبرامج البحث العلمي.
كما أكد أن تحقيق هذه الأهداف يستلزم تأهيل وتحويل منظومة التعليم العالي في إطار مخطط مديري يتم تنزيله عبر مخطط متعدد السنوات، يتم إعداده وفق مقاربة تشاورية تضم مختلف الفاعلين والمتدخلين، وينفذ بشكل تدريجي وفق برمجة زمنية محددة، انسجاما مع مقتضيات القانون-الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.
واعتبر المجلس أن هذا المخطط، بحكم طبيعته الاستراتيجية والتوجيهية واعتماده على التشاور، يشكل الإطار الأنسب للانتقال من تدخلات مجزأة إلى رؤية مندمجة ومؤطرة قادرة على تحقيق الأهداف المعلنة للإصلاح.
وفي ما يتعلق بالتوجه نحو الانتقال التدريجي من نظام الولوج المفتوح إلى الولوج المحدود، سجل المجلس أن صورة سلبية ترسخت خلال السنوات الماضية حول المسالك ذات الاستقطاب المفتوح؛ ما أثر على مكانتها داخل المنظومة الجامعية.
وأوضح أن هذه المسالك أصبحت تُقدَّم في كثير من الأحيان باعتبارها خيارا أخيرا للطلبة الذين لم يتمكنوا من الولوج إلى المؤسسات ذات الاستقطاب المحدود، على الرغم من أنها تسهم بشكل أساسي في تكوين النخب الفكرية والعلمية بالمملكة. لذلك، دعا إلى تثمين مختلف مسالك التكوين الجامعي والعمل على تنويع العرض التكويني بما يتيح لكل طالب متابعة التكوين الملائم لقدراته واختياراته.
وفي سياق متصل، أكد المجلس أن نجاح مراجعة الخريطة الجامعية العمومية يظل رهينا بتوفير مجموعة من الشروط الأساسية، على رأسها ربط هذا الورش بتحول شامل في النموذج البيداغوجي ووظائف الجامعة وحكامتها ودينامية البحث العلمي والابتكار، إلى جانب تأطيره ضمن مسار استراتيجي متدرج ومحدد زمنيا.
وسجل المجلس أن المقاربة المعتمدة في الوثيقة تظل محكومة بمنطق تدخلي جزئي يركز على إعادة توزيع البنيات الجامعية في المجال الترابي، دون أن يندرج بشكل واضح ضمن تصور نسقي متكامل أو أفق استشرافي محدد المعالم في إطار مخطط مديري للتعليم العالي.
كما دعا إلى تفعيل الاستقلالية الإدارية والبيداغوجية والمالية للجامعات، بما يمكنها من الاضطلاع بأدوارها كاملة وتثمين خصوصياتها وتعزيز ارتباطها بحاجيات التنمية الجهوية. واعتبر أن استمرار مركزية القرار قد يؤدي إلى نوع من التماثل المؤسساتي والتوزيع الإداري للمؤسسات الجامعية، بدل تحقيق اندماج فعلي في دينامية التنمية المجالية.
ومن جهة أخرى، شدد المجلس على ضرورة وضع تصور واضح لآليات القيادة والتتبع وتوزيع الأدوار بين مختلف الفاعلين المكلفين بتنفيذ مشروع تقسيم الجامعات العمومية، ملاحظا أن الوثيقة لم تحدد بشكل دقيق أدوات التخطيط وآليات التقييم المرحلي والنهائي؛ وهو ما قد ينعكس سلبا على آجال التنفيذ ومستوى الأثر المنتظر.
كما أوصى بضرورة تقديم تصور زمني واضح لمراحل الإصلاح ومؤشرات قياس التقدم المحرز بين مرحلة وأخرى، انسجاما مع مقتضيات القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، مبرزا أن الوثيقة الحالية تكتفي باعتبار مراجعة الخريطة الجامعية مرحلة أولى دون توضيح المراحل اللاحقة أو آليات الانتقال بينها.
وفي تقييمه لمقومات نجاح المشروع، أكد المجلس أن مراجعة الخريطة الجامعية العمومية تظل مرتبطة بتوفير مجموعة من المستلزمات العملية. ويتمثل أولها في وضع خطة لمواكبة الجامعات المحدثة، خاصة تلك التي لا تتوفر بعد على عرض تكويني متنوع يرقى إلى مستوى جامعة متكاملة.
كما دعا إلى إعداد برنامج لتطوير الخدمات الجامعية الموازية، من أحياء جامعية ومرافق رياضية وثقافية وفنية وترفيهية وخدماتية، بما يجعل الجامعة فضاء جاذبا وحاضنا لحياة جامعية متكاملة.
وفي السياق نفسه، أوصى المجلس بتوسيع نطاق التقسيم المقترح ليشمل بعض الجامعات الكبرى التي ما زال عدد طلبتها يتجاوز بكثير السقف المستهدف المحدد في حوالي أربعين ألف طالب لكل جامعة، وفق ما ورد في الوثيقة.
وختم المجلس رأيه بالتأكيد على ضرورة إصدار النصوص القانونية والتنظيمية اللازمة لتنفيذ مشروع الخريطة الجامعية الجديدة، المقرر تنزيله خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2026 و2028، مع إضفاء الطابع الإلزامي على مختلف التدابير المرتبطة به، بما يضمن تحقيق أهداف الإصلاح وتجاوز الاختلالات التي تعاني منها منظومة التعليم العالي والبحث العلمي.
المصدر:
هسبريس