اعتمدت منظمة العمل الدولية، خلال الدورة الرابعة عشرة بعد المائة لمؤتمرها الدولي، أول اتفاقية مخصصة للعمل اللائق عبر المنصات الرقمية؛ وذلك تتويجا لنقاشات مكثفة امتدت لسنتين شاركت فيها الحكومات وأرباب العمل والمنظمات النقابية.
وقال الاتحاد المغربي للشغل إن “اعتماد هذه الاتفاقية الدولية الجديدة يشكل “انتصارا للحركة النقابية الدولية وتتويجا لسنوات من الترافع والنضال والحوار الاجتماعي الثلاثي داخل منظمة العمل الدولية؛ وذلك من أجل الاعتراف القانوني والمهني بالعاملات والعاملين في اقتصاد المنصات الرقمية، وضمان حقهم في العمل اللائق والحماية الاجتماعية والسلامة المهنية والحقوق النقابية والمفاوضة الجماعية والحماية من مختلف أشكال الهشاشة والاستغلال”.
وأوضح الاتحاد، في بيان له، أن “الاتفاقية الجديدة تمثل مرجعا أساسيا للدول من أجل تطوير تشريعاتها الوطنية بما يضمن المساواة في الحقوق والحماية الاجتماعية والتغطية القانونية لكافة العاملات والعاملين عبر المنصات الرقمية، ويضع حدا لمختلف أشكال التشغيل الهش وغير المهيكل التي تعرفها هذه الأنشطة”.
ودعا الاتحاد ذاته الحكومة المغربية إلى التفاعل الإيجابي مع هذا التطور الدولي المهم بالمصادقة العاجلة على هذه الاتفاقية الدولية الجديدة، وملاءمة التشريعات الوطنية مع مقتضياتها.
وطالب بفتح حوار اجتماعي مسؤول حول أوضاع العاملات والعاملين في اقتصاد المنصات الرقمية، بما يتماشى مع مقتضيات هذه الاتفاقية الدولية وبما يضمن لهم شروط العمل اللائق وكافة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والنقابية.
أوضح جواد بلمامي، عضو الأمانة الوطنية للاتحاد المغربي للشغل، أن الاتفاقية المعتمَدة عرّفت عامل المنصة بأنه “كل شخص مُستخدَم أو منخرط في عمل بهدف توفير الخدمة التي تنظمها أو تسهلها منصة العمل الرقمية، وذلك مقابل أجر أو مبلغ مالي، بغض النظر عن تصنيف وضعه التعاقدي أو الاستخدامي”.
وأوضح بلمامي، في تصريح لهسبريس، أن “بلادنا، مثل مختلف دول العالم، تشهد توسعا ملحوظا في النشاط الاقتصادي القائم على المنصات الرقمية، والذي بات يستقطب ويشغل عددا هاما من اليد العاملة، لا سيما فئة الشباب؛ وذلك في ظل فراغ تشريعي مؤكد”.
وشرح عضو الأمانة الوطنية للاتحاد المغربي للشغل، الذي كان حاضرا بجنيف، أن الاتفاقية المذكورة أفردت حيزا مهما لتعزيز العمل اللائق في هذا القطاع، والذي يقوم على معايير منظمة العمل الأساسية المتمثلة في الحماية الاجتماعية والحرية النقابية والكرامة الإنسانية والمساواة وعدم التمييز.
كما لفت النقابي ذاته إلى أن “الوفد الحكومي المغربي الذي حضر المفاوضات سجّل موقفا إيجابيا بخصوص الاتفاقية الجديدة؛ غير أننا نتطلع إلى ترجمة هذا الموقف إلى مصادقة فعلية لسببين رئيسين: أولهما المكانة الاعتبارية للمغرب في منظمة العمل الدولية، وثانيهما المصلحة الاقتصادية للبلاد في فرض شفافية أكبر بخصوص عمل المنصات الرقمية”.
وشدد بلمامي على أن الاتفاقية الدولية المشار إليها تأتي في ظل التهرب المتواصل للمنصات من الإقرار بوجود علاقة شغلية مع العمال، ومحاولتها إدراج صيغ بديلة تقتصر على التبادل الخدماتي والمالي، موردا أن “تعريف عامل المنصة يشمل أيضا المقاول الذاتي والعامل المستقل “فريلانس” وكل من يؤدي خدمة ويتقاضى عليها أجرا”.
شرح عادل بوهوش، عضو المكتب الوطني للاتحاد المغربي للشغل عضو لجنة تنقيب عمال المنصات الرقمية، أن المقصود بعمال المنصات الرقمية هم العاملات والعمال الذين يقومون بمهامهم عبر تطبيقات ومواقع إلكترونية تديرها شركات كبرى. وفي المغرب، هم عمال توصيل الوجبات والطرود وسائقو سيارات النقل عبر التطبيقات التي أصبحت معروفة، فضلا عن عمال الأوفشورينغ (الخدمات الرقمية عن بعد)، وعمال تنظيف البيانات والمواقع.
وأضاف بوهوش، في تصريح لهسبريس، أن “الرابط الذي يجمع هؤلاء العمال كون عملهم يُنظم عبر خوارزميات، وغالبا ما يُصنفون كمستقلين، كما هو الشأن عندنا حيث يُعتبر عامل التوصيل “مقاولًا ذاتيًا”، وهم في واقع الأمر تابعون للمنصة؛ مما يحرمهم من أبسط الحقوق المنصوص عليها في مدونة الشغل وباقي التشريع الاجتماعي”.
وشدد المتحدث ذاته على أن “الاتفاقية الدولية الجديدة تعتبر انتصارا تاريخيا للنقابة العالمية، بعدما وضعت أول معيار عالمي ملزم يعترف بأن عمال المنصات يستحقون نفس حماية العمال الآخرين”، لافتا إلى أن من أبرز مكتسباتها إلزام الدول بالتصحيح القائم على الحقائق والواقع وليس على التصنيفات الوهمية، كما هو الحال مع تصنيفهم كـ”مقاول ذاتي”، وإجبار المنصات على الشفافية في الخوارزميات وإتاحة المراجعة البشرية.
تنضاف إليها كذلك حماية الحد الأدنى للأجور والحماية الاجتماعية والصحة والسلامة المهنية، زيادة على ضمان الحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية.
وعلى هذا النحو، سجّل النقابي عينه أن “الحكومة المغربية مطالبة بالمصادقة العاجلة على الاتفاقية دون انتظار، وملاءمة التشريع الوطني معها، خاصة مدونة الشغل وقانون الضمان الاجتماعي، لكي تشمل صراحة عمال التوصيل وجميع عمال المنصات الرقمية، إلى جانب فتح حوار اجتماعي مسؤول مع النقابات لتفعيل المقتضيات على أرض الواقع.
كما نبّه عادل بوهوش إلى أن “الاتفاقية لا تعني أبدا أن نفتح الباب أمام “إصلاحات” تزيد من مرونة الشغل وهشاشته؛ فنحن نرفض مساعي الحكومة والباطرونا التي تسعى إلى إدخال مزيد من المرونة على قوانين الشغل، وسنتصدى لأي ترجمة انتقائية للاتفاقية بطريقة تكرس وضع “المستقل الهش” بدلا من ضمان علاقة عمل حقيقية”.
المصدر:
هسبريس