دخلت شركة “سبايس إكس” رسميا أسواق المال الأميركية الجمعة مع بدء تداول أسهمها في بورصة “ناسداك” تحت الرمز “SPCX”، في أكبر اكتتاب عام أولي تشهده الأسواق العالمية، وسط متابعة واسعة من المستثمرين الذين يرون في الطرح اختبارا لمستقبل شركات الفضاء والذكاء الاصطناعي، كما يمثل محطة جديدة في مسيرة مؤسسها إيلون ماسك الذي تقترب ثروته من حاجز التريليون دولار.
ونجحت الشركة التي أسسها ماسك قبل أكثر من عقدين في جمع 75 مليار دولار من الطرح الأولي بعد بيع 555.6 مليون سهم بسعر 135 دولارا للسهم، ما رفع قيمتها السوقية إلى نحو 1.77 تريليون دولار، متجاوزة بذلك الرقم القياسي السابق المسجل باسم شركة “أرامكو السعودية” التي جمعت 25.6 مليار دولار عند إدراجها عام 2019، كما وضعت “سبايس إكس” مباشرة بين أكبر الشركات المدرجة في العالم من حيث القيمة السوقية.
ورغم إقامة مراسم افتتاح التداول صباح الجمعة في مقر “ناسداك” بنيويورك، فإن التداول الفعلي على السهم لم يكن متوقعا في الدقائق الأولى من الجلسة، إذ تتطلب الاكتتابات الكبرى عملية معقدة لموازنة أوامر البيع والشراء قبل تحديد سعر الافتتاح النهائي، وهي آلية تهدف إلى تقليل التقلبات الحادة التي غالبا ما ترافق اليوم الأول من التداول.
وأظهرت المؤشرات الأولية قبل الإدراج أن سعر السهم قد يفتتح بين 170 و175 دولارا، أي بزيادة تتراوح بين 30 و50 في المئة فوق سعر الاكتتاب، ما يعكس حجم الإقبال الكبير على أسهم الشركة، خصوصا بعد أن تجاوزت طلبات الشراء من المؤسسات الاستثمارية والأفراد أضعاف عدد الأسهم المتاحة للبيع.
ويكتسب هذا الإدراج أهمية استثنائية لأنه لا يتعلق بشركة تكنولوجية تقليدية، فـ”سبايس إكس” أصبحت خلال السنوات الماضية أكبر مزود لخدمات الإطلاق الفضائي في العالم، كما تدير شبكة “ستارلينك” التي تحولت إلى أكبر منظومة للإنترنت عبر الأقمار الصناعية، إضافة إلى استثماراتها المتزايدة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات المرتبطة بالبنية التحتية الفضائية.
ومنذ تأسيسها عام 2002، اعتمدت الشركة على التمويل الخاص، ما سمح لها بالنمو بعيدا عن الضغوط المرتبطة بأسواق المال، غير أن حجمها الحالي وطموحاتها المستقبلية دفعاها إلى دخول البورصة في مرحلة يصفها كثير من المحللين بأنها بداية عصر جديد لصناعة الفضاء التجارية.
ويقول متابعون إن المستثمرين لا يشترون الأداء الحالي للشركة فقط، بل يشترون رؤية كاملة لمستقبل الاقتصاد الفضائي، فإيلون ماسك لا يقدم “سبايس إكس” باعتبارها شركة صواريخ وأقمار صناعية فحسب، وإنما باعتبارها منصة مستقبلية قد تشمل الاتصالات العالمية والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الفضائية واستيطان القمر والمريخ.
وفي كلمة بثت عبر اتصال مرئي من مقر الشركة في “ستاربيس” بولاية تكساس، أكد ماسك أن الهدف النهائي يتمثل في جعل البشرية متعددة الكواكب، مشيرا إلى أن الشركة انتقلت من مشروع صغير داخل مستودع متواضع إلى مؤسسة تقود أكبر اكتتاب تشهده الأسواق المالية على الإطلاق.
لكن هذه الصورة المتفائلة لا تحظى بإجماع كامل داخل الأوساط الاستثمارية، إذ يرى بعض المحللين أن القيمة السوقية الحالية للشركة تتجاوز بكثير ما تبرره نتائجها المالية الحالية، خصوصا أن الشركة ما زالت تنفق مليارات الدولارات على تطوير مشاريع جديدة في مجالات الصواريخ والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الفضائية.
ويشير منتقدون إلى أن جزءا كبيرا من التقييم الحالي يعتمد على توقعات مستقبلية لم تتحقق بعد، بينما يرد مؤيدو الشركة بأن الأسواق لطالما منحت الشركات القادرة على تغيير قواعد اللعبة تقييما يتجاوز الأرباح الآنية، وهو ما حدث سابقا مع شركات تكنولوجية كبرى أصبحت لاحقا من أعمدة الاقتصاد العالمي.
ومن بين الجوانب التي يراقبها المستثمرون طريقة التسعير التي اعتمدتها “سبايس إكس”، إذ اختارت الشركة تحديد سعر ثابت منذ البداية بدلا من استخدام النطاق السعري التقليدي المتبع في الاكتتابات الكبرى، وهي خطوة رأى البعض أنها تعكس ثقة الإدارة بحجم الطلب المتوقع، بينما اعتبرها آخرون مخاطرة قد تجعل السهم عرضة لانتقادات سواء ارتفع بقوة أو تراجع بعد الإدراج.
كما يتوقع مراقبون أن يشهد السهم تقلبات كبيرة خلال أيامه الأولى، لا سيما أن الشركة خصصت جزءا مهما من الأسهم المطروحة للمستثمرين الأفراد، وهو أمر غير مألوف في الطروحات العملاقة، إذ يعتقد بعض المحللين أن هذه الفئة من المستثمرين قد تزيد من حدة التحركات السعرية بسبب سرعة التفاعل مع الأخبار والتقلبات.
وتستعد ناسداك للتعامل مع أي تحركات حادة عبر نظام إيقاف التداول المؤقت المعروف باسم “قواطع الدوائر”، والذي يؤدي إلى تعليق التداول لعدة دقائق إذا تجاوز السهم نطاقا معينا من الارتفاع أو الانخفاض خلال فترة قصيرة، وهي آلية جرى تطويرها بعد أحداث التقلب الحاد التي شهدتها الأسواق الأميركية خلال العقد الماضي.
وفي موازاة ذلك، يراقب المستثمرون دور بنك “مورغان ستانلي” الذي يتولى مهمة استقرار السهم بعد الإدراج، إذ يمتلك البنك ما يعرف بخيار “الغرين شو”، وهي آلية تسمح بشراء أسهم إضافية من السوق إذا تعرض السعر لضغوط هبوطية، بهدف الحد من التقلبات والحفاظ على توازن العرض والطلب.
ولا تقتصر أهمية الاكتتاب على الشركة نفسها، بل تمتد إلى سوق الطروحات الأميركية بأكملها، فنجاح “سبايس إكس” قد يشجع شركات ضخمة أخرى على دخول البورصة خلال الأشهر المقبلة، وفي مقدمتها شركات الذكاء الاصطناعي التي تستعد لعمليات إدراج مرتقبة، بينما قد يؤدي أي تعثر إلى زيادة حذر المستثمرين تجاه الطروحات العملاقة.
ويذهب بعض الخبراء إلى أن هذا الإدراج يمثل تحولا في طبيعة الشركات الأعلى قيمة في العالم، فبعد سنوات هيمنت فيها شركات البرمجيات والإعلانات الرقمية والتجارة الإلكترونية على المراكز الأولى، تظهر “سبايس إكس” كنموذج مختلف يعتمد على أصول مادية ضخمة تشمل الصواريخ ومنصات الإطلاق والأقمار الصناعية وشبكات الاتصالات، مع ارتباط وثيق بقطاع الذكاء الاصطناعي.
ومن العوامل التي تثير اهتمام الأسواق أيضا استمرار النفوذ الكبير لإيلون ماسك داخل الشركة بعد الإدراج، إذ سيحتفظ بدور محوري في رسم التوجهات الاستراتيجية، وهو ما يعتبره بعض المستثمرين ضمانة لاستمرار الرؤية طويلة المدى، بينما يرى آخرون أن تركيز النفوذ في يد شخصية واحدة يرفع مستوى المخاطر المرتبطة بالإدارة والحوكمة.
أما على المستوى الشخصي، فإن نجاح السهم في تحقيق مكاسب قوية قد يدفع ثروة ماسك إلى الاقتراب من حاجز التريليون دولار، وهو مستوى غير مسبوق في تاريخ الثروات الفردية الحديثة، الأمر الذي يضيف بعدا رمزيا إضافيا لهذا الإدراج الاستثنائي.
ويشبه عدد من المحللين هذا الحدث بطرح مجموعة “علي بابا” الصينية عام 2014 الذي عكس آنذاك صعود الاقتصاد الرقمي الصيني، بينما يرى آخرون أن إدراج “سبايس إكس” يمثل بداية مرحلة جديدة يتداخل فيها الفضاء مع الاقتصاد العالمي بصورة غير مسبوقة، حيث تتحول الأنشطة الفضائية من برامج حكومية مكلفة إلى قطاع استثماري مفتوح أمام رؤوس الأموال والأسواق المالية.
وبغض النظر عن أداء السهم في يومه الأول، فإن ما حققته “سبايس إكس” يؤكد أن قطاع الفضاء لم يعد نشاطا هامشيا أو مشروعا علميا بعيدا عن اهتمامات المستثمرين، بل أصبح جزءا من الاقتصاد العالمي الجديد، اقتصاد يقوم على التكنولوجيا المتقدمة والاتصالات والذكاء الاصطناعي والطموحات العابرة للغلاف الجوي، وهو ما يجعل هذا الاكتتاب علامة فارقة في تاريخ الأسواق المالية وصناعة الفضاء على حد سواء.
المصدر:
هسبريس