آخر الأخبار

حين يلاحق الغبار السكان وتتحول الجبال إلى ندوب مفتوحة.. مقالع تطوان تعود لواجهة الجدل

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم تعد قضية مقالع الحجر بإقليم تطوان مجرد ملف مرتبط بتوفير مواد البناء للمشاريع الكبرى، بل تحولت إلى واحد من أكثر الملفات البيئية والحقوقية إثارة للجدل بالمنطقة، في ظل تصاعد التحذيرات من آثار الاستغلال المكثف للموارد الطبيعية على الجبال والمجالات القروية المحيطة بها.

وتعيد هذه الإشكالية إلى الواجهة مشاهد سبق أن وثقها روبورتاج ميداني أجرته جريدة “العمق” بجماعة الزينات، كشف حجم المعاناة اليومية للساكنة مع التفجيرات والغبار وتصدعات المنازل، وما خلفته هذه الأنشطة من تداعيات صحية واجتماعية واقتصادية امتدت لسنوات.

اليوم، ومع توالي التقارير البيئية والحقوقية، تتسع دائرة النقاش لتشمل أبعادا أعمق، تتعلق بمدى احترام دفاتر التحملات، وفعالية المراقبة، وقدرة هذه المشاريع على تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية وحماية البيئة وحقوق الساكنة.

حين تتحول الجبال إلى “ندوب مفتوحة”

يقول عادل بنونة، مستشار بجماعة تطوان ورئيس فريق العدالة والتنمية، إن قضية مقالع الحجر لم تعد ملفا اقتصاديا تقنيا، بل أصبحت “إحدى أكثر القضايا البيئية والحقوقية إلحاحا بالإقليم”، بعدما تحولت آثار الاستغلال إلى مشاهد واضحة على مستوى جماعات الزينات وبن قريش وصدينة والملاليين.

ويضيف بنونة أن ما كان يعرف لعقود بـ”الهوية الطبيعية والبصرية” لجبال تطوان، لم يعد كما كان، بعدما تحولت أجزاء واسعة من المرتفعات إلى “ندوب مفتوحة على سفوح الجبال”، تعكس حجم الضغط المتزايد على الموارد الطبيعية، في مشهد يختزل مفارقة بين الاستثمار وتدهور المجال البيئي.

إقرأ أيضا: تفجيرات المقالع تحول حياة “الزينات” بتطوان إلى جحيم.. السكان: نأكل الغبار مع الطعام كأننا في سوريا

وتزداد خطورة الوضع، بحسب تصريح المتحدث للجريدة، بالنظر إلى الطبيعة البيئية الحساسة لإقليم تطوان، الذي يجمع بين الجبال والساحل والسهول والموارد المائية، ما يجعل أي اختلال بيئي قابلا للامتداد إلى نطاقات أوسع من موقع الاستغلال نفسه.

وتشير معطيات تقارير بيئية وحقوقية ورقابية إلى وجود إشكالات متكررة تتعلق باحترام دفاتر التحملات، وبمدى فعالية الأبحاث العمومية ودراسات التأثير البيئي، إضافة إلى تساؤلات حول إشراك الساكنة المتضررة في مساطر الترخيص أو التجديد، يردف بنونة.

وأشار المنتخب المعارض إلى أن من بين أبرز المؤشرات التي تثير القلق، تراجع الغطاء النباتي المحيط ببعض المقالع، وضعف أو غياب برامج التشجير والأحزمة الخضراء، ما يزيد من انتشار الغبار ويضاعف الأثر البصري والبيئي.

وأبرز أن تقارير مختلفة تحذر من مخاطر محتملة تطال الفرشة المائية والينابيع والآبار، نتيجة التفجيرات وأشغال الحفر العميق، خاصة في مناطق تعتمد بشكل مباشر على الموارد الطبيعية في الفلاحة والحياة اليومية.

وفي الجانب الصحي، يشير بنونة إلى أن الغبار الناتج عن النقل والاستخراج يرتبط، وفق دراسات دولية، بارتفاع مخاطر أمراض الجهاز التنفسي والحساسية المزمنة، ما يجعل الحق في بيئة سليمة في قلب النقاش العمومي.

شهادات ميدانية

وكان روبورتاج ميداني سابق لجريدة “العمق” قد كشف، من قلب جماعة الزينات التابعة لإقليم تطوان، أن السكان يعيشون وضعا وصفوه بـ”المأساوي” منذ سنوات طويلة، بسبب التفجيرات اليومية لمقالع الحجارة.

وقال سكان في تصريحات للجريدة، حينها، إن الغبار أصبح جزءا من حياتهم اليومية، وإن عددا من المنازل تعرضت لتشققات وتصدعات، فيما تأثرت الأنشطة الفلاحية وتربية المواشي، إلى جانب تراجع الموارد المائية.

كما أشار السكان إلى معاناة نفسية وصحية، وصلت في إحدى الحالات إلى وفاة جنين داخل بطن والدته سنة 2009، بعد تفجير قوي هز المنطقة، وفق روايات محلية وثقتها الجريدة.

ويطرح الملف، وفق متتبعين سياسيين وحقوقيين، سؤالا مركزيا حول الأثر التنموي الحقيقي لهذه المقالع على الجماعات التي تحتضنها، في ظل استمرار الجدل حول مدى انعكاسها على تحسين ظروف عيش الساكنة المحلية، وخلق فرص الشغل، وتمويل البنيات الأساسية.

فالتنمية، كما يراها المستشار بنونة، لا تقاس فقط بحجم الثروات المستخرجة، بل أيضا بمدى قدرتها على حماية الإنسان والبيئة، وتعويض الأضرار الناتجة عن الاستغلال المكثف للموارد الطبيعية.

ويستحضر المصدر ذاته أن دستور 2011 يكرس الحق في بيئة سليمة، ويربط الأنشطة الاقتصادية بواجب حماية الموارد الطبيعية وحقوق الأجيال القادمة، إلى جانب مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ويشير إلى أن القانون الإطار 99-12 والقانون 27-13 المتعلق بالمقالع ينصان على التزامات واضحة بشأن الاستغلال العقلاني للموارد وإعادة تأهيل المواقع، غير أن الفجوة بين النص والتطبيق تبقى، وفق منتقدين، أحد أبرز أعطاب هذا القطاع.

واعتبر بنونة أن جبال تطوان تقف اليوم في قلب معادلة صعبة، بين ضغط الحاجة إلى مواد البناء ومتطلبات المشاريع التنموية، وبين ضرورة حماية المجال الطبيعي والموارد المائية والساكنة المحلية، بحسب تعبيره.

ويتساءل المصدر ذاته “هل تنجح المؤسسات المعنية في فرض احترام القانون وإعادة التوازن البيئي، أم تستمر الجبال في دفع ثمن تنمية تُقاس بالأطنان المستخرجة أكثر مما تُقاس بقدرتها على حماية الإنسان والطبيعة معا؟”.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا