أطلقت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة واحدا من أكبر المشاريع الاستراتيجية المرتبطة بمستقبل العمران والهوية المعمارية بالمغرب، من خلال إعداد خمس مواثيق وطنية كبرى للتوجيه العمراني والمعماري والمنظري، مدعومة بمنصة رقمية وطنية متطورة تعتمد على نظم المعلومات الجغرافية، في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى إعادة تنظيم المشهد العمراني المغربي وحماية خصوصياته الترابية والثقافية في مواجهة التوسع العمراني المتسارع.
ووفقا لدفتر التحملات الخاص بطلب العروض الدولي رقم 05/2026 فإن هذا المشروع يتجاوز المفهوم التقليدي للدراسات العمرانية، ليؤسس لأول مرجع وطني موحد يحدد القواعد والتوجهات المعمارية والمنظرية التي يجب أن تؤطر عمليات البناء والتهيئة والتخطيط عبر مختلف مناطق المملكة، مع تحويل هذه التوجيهات إلى منظومة رقمية تفاعلية متاحة للإدارات والمهنيين والمستثمرين والمنتخبين.
وتسعى الدولة من خلال هذا الورش الضخم الذي تصل كلفته أزيد من نصف مليار سنتيم، (540 مليون سنتيم) إلى حماية الهوية المعمارية المغربية التي تواجه تحديات متزايدة نتيجة انتشار نماذج عمرانية مستوردة لا تنسجم في كثير من الأحيان مع الخصوصيات المحلية والبيئية والثقافية للمجالات الترابية المختلفة. كما يهدف المشروع إلى تثمين الرصيد المعماري والمنظري الوطني وإرساء قواعد جديدة تضمن انسجام المشاريع العمرانية مع الخصوصيات الجغرافية والمناخية والثقافية لكل منطقة.
وبحسب الوثائق الرسمية، سيتم تقسيم التراب الوطني إلى خمسة مجالات ترابية كبرى تشمل المناطق الساحلية والمجالات التراثية والمناطق القروية والمجالات الجبلية والمناطق الصحراوية والواحاتية. وسيتم إعداد ميثاق خاص بكل مجال من هذه المجالات يأخذ بعين الاعتبار خصوصياته المعمارية والبيئية والاجتماعية، مع تحديد الضوابط والمعايير الواجب احترامها في المشاريع المستقبلية.
ويبرز من خلال مضامين الدراسة أن السلطات تراهن على الانتقال من مرحلة التدبير العمراني التقليدي إلى مرحلة جديدة تقوم على التخطيط الذكي المعتمد على البيانات الرقمية والخرائط التفاعلية. ولهذا الغرض سيتم إنشاء نظام معلومات جغرافي وطني متكامل يعتبر بمثابة بنك معلومات ضخم للهوية المعمارية والمنظرية للمغرب، يربط بين الخرائط الرقمية والتوصيات التقنية والمعايير المعمارية الخاصة بكل منطقة.
وسيتيح هذا النظام للمستخدمين إمكانية الاطلاع على الخصائص العمرانية والمعمارية لكل مجال ترابي، والبحث داخل قاعدة بيانات وطنية تضم المواد المحلية المستعملة في البناء والألوان المعتمدة والنماذج المعمارية التقليدية والعناصر المنظرية والنباتية الملائمة لكل جهة. كما سيمكن المهندسين المعماريين والمصالح التقنية من الاستناد إلى مرجع موحد عند دراسة مشاريع البناء أو منح التراخيص العمرانية.
وتؤكد الوثائق التقنية أن النظام الجديد لن يكون مجرد منصة لعرض الخرائط، بل سيشكل أداة استراتيجية لاتخاذ القرار، تسمح بتحديد الوحدات الترابية المتجانسة وربطها بمجموعة من التوصيات والمعايير الملزمة أو الموصى بها. كما سيكون قابلاً للتحديث المستمر وإضافة المعطيات الجديدة بشكل ديناميكي، مع إمكانية ربطه بمنصة “تعمير” والأنظمة الرقمية المعتمدة لدى الوكالات الحضرية.
ومن بين أبرز المستجدات التي يحملها المشروع اعتماد ثلاثة مستويات من التوجيهات المعمارية. المستوى الأول يتعلق بالممارسات غير المستحبة أو التي تتعارض مع الهوية المحلية، بينما يحدد المستوى الثاني المبادئ الموصى بها والتي تشكل جوهر الخصوصية المعمارية لكل منطقة. أما المستوى الثالث فيفتح المجال أمام الابتكار والإبداع المعماري، شريطة احترام الخصوصيات المحلية وعدم السقوط في استنساخ نماذج أجنبية أو معمارية موحدة.
وتنطلق الدراسة بمرحلة تشخيصية واسعة تمتد لستة أشهر، سيتم خلالها إنجاز أبحاث ميدانية وزيارات لمواقع نموذجية موزعة على مختلف جهات المملكة. وتشمل هذه المواقع السواحل الشمالية والوسطى والجنوبية، والمدن التاريخية والإمبراطورية، والقرى والمجالات الفلاحية، ومناطق الريف والأطلس، إضافة إلى الواحات والمناطق الصحراوية في شرق وجنوب المملكة.
وسيتم خلال هذه المرحلة تحليل الخصائص العمرانية والمعمارية والمنظرية لكل مجال، بما في ذلك أشكال البناء والمواد المستعملة والألوان السائدة وأنماط السكن والعلاقة بين الفضاءات المبنية وغير المبنية. كما ستتم دراسة تأثير المناخ والتضاريس والمخاطر الطبيعية على العمران المحلي، ورصد طرق تدبير الفضاءات العمومية والمساحات الخضراء والتنقلات والبنيات التحتية.
وبعد استكمال مرحلة التشخيص، سيتم الانتقال إلى إعداد المواثيق الخمسة الرقمية التي ستتضمن توصيات تفصيلية تختلف من منطقة إلى أخرى. ففي المناطق الساحلية ستتم معالجة قضايا الهوية البحرية ومواد البناء المقاومة للرطوبة والملوحة والرياح، إضافة إلى كيفية تهيئة الواجهات البحرية والمنتجعات الشاطئية. أما في المجالات التراثية فسيتم التركيز على حماية الخصائص المعمارية التقليدية والمواد المحلية وبرامج إعادة التأهيل العمراني.
وفي العالم القروي ستشجع المواثيق استعمال المواد المحلية وتقنيات البناء التقليدية والحفاظ على العلاقة بين العمران والمجال الفلاحي. بينما ستخصص توجيهات خاصة للمناطق الجبلية تراعي الانحدارات والمخاطر الطبيعية وظروف المناخ القاسي. أما المناطق الصحراوية والواحاتية فستحظى بمعايير ترتبط بتدبير الحرارة المرتفعة والحفاظ على الموارد المائية واستلهام تقنيات العمارة الواحية التقليدية.
وتحظى المرحلة الأخيرة من المشروع بأهمية خاصة، إذ ستشهد تنظيم خمس ورشات وطنية كبرى للتشاور مع مختلف المتدخلين، بمشاركة وزارة الداخلية والوكالات الحضرية والمجلس الوطني لهيئة المهندسين المعماريين ومديريات التعمير وإعداد التراب الوطني والهندسة المعمارية، إلى جانب قطاعات الثقافة والبيئة وبرنامج القصور والقصبات عند الحاجة.
وسيتم خلال هذه اللقاءات عرض الخرائط الرقمية والنتائج التشخيصية والتوصيات المقترحة، قبل إدماج الملاحظات النهائية وإصدار النسخ الرسمية للمواثيق في صيغتها النهائية. كما سيتم إعداد مكتبة رقمية وطنية تضم جميع المرجعيات المعمارية والمنظرية التي تم تجميعها خلال الدراسة، إضافة إلى أدلة استعمال وبرامج تكوين لفائدة الإدارات والوكالات الحضرية والمهنيين.
وتكشف الوثائق أن المشروع سيمتد على مدى 18 شهراً كاملة، تحت إشراف مباشر من مديرية الهندسة المعمارية، وبمواكبة لجنة وطنية تضم ممثلين عن مختلف المؤسسات المعنية بالتخطيط العمراني. كما ألزم دفتر التحملات مكتب الدراسات الفائز بتعبئة فريق متعدد التخصصات يضم مهندسين معماريين ومهندسي مناظر طبيعية وخبراء في التراث ومهندسي نظم المعلومات الجغرافية ومتخصصين في البيئة وعلم الاجتماع الحضري.
المصدر:
العمق