هبة بريس – عبد اللطيف بركة
لم يكن افتتاح الدورة الربيعية للبرلمان سنة 1990 مجرد محطة دستورية عادية في الحياة السياسية المغربية، بل شكل لحظة مفصلية أعادت ترتيب ملامح التوازن بين السلطة والإصلاح، وبين الدولة والسوق، في سياق داخلي وخارجي بالغ الحساسية.
ففي تلك المرحلة، كان المغرب يقف عند تقاطع طرق صعب، بين إرث سنوات اتسمت بالتوتر السياسي، وضغوط اقتصادية خانقة فرضت تبني خيارات جديدة، قوامها الانفتاح الليبرالي والتدرج في الإصلاح.
ضمن هذا السياق، برز خطاب الملك الحسن الثاني كخارطة طريق لمرحلة انتقالية دقيقة، حيث تم التأكيد على ضرورة الانخراط في منظومة القيم الدولية، خاصة في ما يتعلق بحقوق الإنسان وتحديث المؤسسات، دون التفريط في استقرار الدولة أو المساس بثوابتها. ولم يكن إحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في السنة ذاتها سوى ترجمة عملية لهذا التحول، الذي حمل في طياته رغبة واضحة في تحسين صورة المغرب خارجياً وامتصاص الاحتقان داخلياً.
غير أن الليبرالية التي بدأت تتشكل آنذاك لم تكن مجرد خيار سياسي، بل كانت أيضاً استجابة لإكراهات اقتصادية فرضتها برامج التقويم الهيكلي، التي دفعت نحو تقليص تدخل الدولة في الاقتصاد، وتشجيع المبادرة الخاصة، والانفتاح على الاستثمار الخارجي. وهنا، وجدت الحكومات المتعاقبة نفسها أمام معادلة دقيقة: تنفيذ سياسات ذات طابع ليبرالي اقتصادي، مع الحفاظ على التوازن الاجتماعي والسياسي في بلد لم يكن مستعداً بعد لتحولات جذرية سريعة.
لقد اتسمت تلك المرحلة بما يمكن وصفه بـ”الليبرالية المؤطرة”، حيث ظل القرار الاستراتيجي بيد المؤسسة الملكية، في مقابل توسيع تدريجي لهامش عمل المؤسسات التمثيلية.
فالديمقراطية، كما قدمت في الخطاب الرسمي، لم تكن مشروع قطيعة بقدر ما كانت مسارا تدريجيا قائما على التوافق، وهو ما انعكس على أداء البرلمان والحكومة، اللذين تحركا ضمن سقف محدد سلفا.
ورغم ما حملته تلك المرحلة من إشارات انفتاح، فإنها لم تخل من مفارقات واضحة، فقد تزامن تبني خطاب حقوق الإنسان مع استمرار بعض مظاهر التحكم، كما ترافقت الليبرالية الاقتصادية مع تحديات اجتماعية عميقة، أبرزها اتساع الفوارق وارتفاع كلفة الإصلاحات على الفئات الهشة، وهو ما جعل جزءا من الرأي العام ينظر إلى تلك التحولات بعين الحذر، بين الأمل في التغيير والخشية من كلفته.
اليوم، وبعد مرور عقود على تلك اللحظة السياسية، يبدو واضحا أن سنة 1990 لم تكن مجرد تاريخ عابر، بل كانت بداية تشكل نموذج مغربي خاص في الإصلاح، يقوم على التدرج، والتوازن، وتدبير التحولات بدل الانخراط في صدمات مفاجئة، نموذج حمل بصمة الحسن الثاني، واستمر تأثيره في رسم ملامح السياسات العمومية لسنوات لاحقة في عهد الملك محمد السادس.
فيمكن القول إن النهج الليبرالي الذي طبع الحكومات المتعاقبة منذ بداية التسعينيات لم يكن اختياراً إيديولوجيا خالصا، بقدر ما كان استجابة مركبة لإكراهات الداخل وضغوط الخارج، في محاولة لبناء توازن دقيق بين ضرورات الانفتاح ومقتضيات الاستقرار، وهو التوازن الذي لا يزال يشكل أحد أبرز تحديات التجربة المغربية إلى اليوم.
المصدر:
هبة بريس