في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في كلمة امتزجت فيها مشاعر الفرح بالتأثر واستحضار الذاكرة الجماعية لأبناء دوار السفلات، أكد محمد لغروس، مدير نشر جريدة “العمق”، أن تدشين ملعب “با حماد لغروس” للقرب بدوار السفلات بجماعة فزواطة، إقليم زاكورة، لا يمثل مجرد إنجاز بنية رياضية جديدة، بل يجسد منظومة كاملة من القيم الإنسانية والاجتماعية التي ميزت أبناء المنطقة عبر عقود طويلة، وفي مقدمتها التضامن والتكافل والوفاء للأرض ومسقط الرأس.
وقال لغروس، أمس الخميس 4 يونيو 2026، خلال حفل التدشين الذي عرف حضور أعيان المنطقة وفعالياتها الجمعوية وعدد من أبناء الدوار القادمين من مختلف المدن، إن لحظة افتتاح هذا الملعب تشكل مناسبة للاحتفاء بالقيم التي تربى عليها أبناء بني علي والسفلات، معتبرا أن ما تحقق اليوم هو ثمرة لتاريخ طويل من التعاون بين أبناء المنطقة.
وأوضح أن الأجيال السابقة هي التي أرست أسس هذه الثقافة التضامنية، مستحضرا صورا من الحياة اليومية التي كان يعيشها سكان الدوار، حين كانت الأسر تتكفل بمساندة جيرانها في الأفراح والأتراح، ويتعاون الجميع في حفر السواقي وإنجاز الأشغال الجماعية وخدمة المصلحة المشتركة.
وأضاف أن ما أنجزه اليوم ليس سوى امتداد لهذه القيم التي تلقاها من محيطه الاجتماعي، مؤكدا أن كل نجاح فردي يظل ناقصا إذا لم ينعكس إيجابا على المنطقة التي نشأ فيها الإنسان.
وقال في هذا السياق إن الإنسان لا ينبغي أن ينسى فضل بلاده ومسقط رأسه، معتبرا أن أي نجاح شخصي يفقد معناه إذا بقيت المنطقة الأصلية تعاني التهميش أو نقص الخدمات، مضيفا أن التنمية الحقيقية تقتضي أن يستفيد الجميع من ثمار التقدم.
وأعلن لغروس أمام الحاضرين أنه يسلم الملعب بشكل نهائي لساكنة الدوار ولجمعية السفلات للتنمية والتكافل والرياضة، موضحا أن المشروع لم يعد ملكا له منذ لحظة افتتاحه، بل أصبح ملكا جماعيا لجميع أبناء المنطقة.
وأكد أن الغاية من هذا المشروع لم تكن مرتبطة بأي اعتبارات شخصية أو رمزية، بل كانت تهدف أساسا إلى توفير فضاء لائق للأطفال والشباب لممارسة الرياضة في ظروف تحفظ سلامتهم وكرامتهم.
واستحضر في هذا الصدد معاناة عاشها أبناء المنطقة لسنوات طويلة مع الملاعب الترابية التي كانت تفتقر إلى أبسط شروط السلامة، مذكرا بحادث تعرض له أحد الشباب خلال إحدى المنافسات الرياضية قبل سنوات، وما ترتب عنه من صعوبات في الإسعاف والتنقل والعلاج بسبب هشاشة الخدمات المتوفرة آنذاك.
وأوضح أن تلك الحادثة تركت أثرا عميقا في نفسه، وجعلته يتساءل باستمرار عن سبب غياب ملعب آمن ومجهز يتيح للشباب ممارسة الرياضة بعيدا عن مخاطر الحجارة والغبار والإصابات المتكررة.
كما استعاد عددا من الذكريات الرياضية التي عاشها رفقة أبناء الدوار خلال طفولتهم وشبابهم، مستحضرا مباريات كرة القدم التي كانت تجرى في فضاءات مفتوحة وبوسائل بسيطة، وما كانت تخلفه أحيانا من مواقف طريفة وأخرى مؤلمة، شكلت جزءا من الذاكرة الجماعية لأبناء المنطقة.
وأشار إلى أن هذه الذكريات كانت حاضرة بقوة أثناء مراحل التفكير في المشروع وإنجازه، لأنها تعكس حجم الحاجة التي كانت قائمة منذ سنوات طويلة إلى فضاء رياضي عصري يستجيب لتطلعات الأجيال الجديدة.
وكشف لغروس أن أشغال إنجاز الملعب انطلقت منتصف شهر أبريل الماضي، وتم استكمالها في ظرف وجيز لم يتجاوز شهرا ونصف الشهر، مبرزا أن المشروع شمل تهيئة أرضية رياضية حديثة وتجهيزها بالعشب الاصطناعي، إضافة إلى بناء مستودعات لتغيير الملابس ومرافق صحية وتجهيزات تضمن ظروفا مناسبة لممارسة الأنشطة الرياضية.
وأكد أن القيمة الحقيقية للمشروع لا تقاس بحجمه المالي أو بتكلفته، بل بما سيحققه من أثر إيجابي على حياة الأطفال والشباب، معتبرا أن فرحة طفل يمارس الرياضة في ظروف سليمة أو شاب يجد فضاء آمنا للتنافس والترويح عن النفس أكبر قيمة من أي حسابات مادية.
وفي جانب آخر من كلمته، أشاد بروح التضامن التي طبعت مراحل إنجاز المشروع، مبرزا أن توسيع الطريق المؤدية إلى الملعب تم بفضل تضحيات أبناء المنطقة الذين تنازل بعضهم عن أجزاء من أراضيهم خدمة للمصلحة العامة، في صورة اعتبرها تجسيدا حقيقيا لقيم التعاون والوحدة التي تميز قبيلة السفلات.
كما نوه بمختلف المساهمين في إنجاز المشروع، وعلى رأسهم المقاول محمد بليزيد الذي أشرف على الأشغال، إلى جانب الطاقم التقني والعاملين الذين سهروا على إخراج المشروع إلى حيز الوجود، فضلا عن المحسنين الذين ساهموا في توفير تجهيزات رياضية لفائدة الشباب.
ولم يفت لغروس التعبير عن اعتزازه بالوحدة والتلاحم الذي يجمع مختلف دواوير المنطقة، مؤكدا أن نجاح المشروع يعكس قوة الروابط الاجتماعية بين أبناء بني علي بكل مكوناتها، داعيا إلى الحفاظ على هذا الرصيد الجماعي باعتباره أساس أي تنمية مستقبلية.
كما توقف عند ما وصفه بخصال الصمود والمقاومة التي يتميز بها أبناء الجنوب الشرقي، مشيدا بقدرتهم على التشبث بأرضهم ومواجهة مختلف التحديات رغم الإكراهات الطبيعية والاقتصادية التي تعرفها المنطقة.
واعتبر أن هذه الروح هي التي مكنت الساكنة من الاستمرار والعطاء عبر الأجيال، وجعلت من مناطق الجنوب الشرقي خزانا للقيم الإنسانية والتضامن الاجتماعي.
وفي ختام كلمته، دعا لغروس إلى المحافظة على الملعب باعتباره ملكا جماعيا للأجيال الحالية والقادمة، وحث الساكنة على استثماره في تنظيم الأنشطة الرياضية والتربوية وتعزيز التواصل بين شباب مختلف الدواوير، مؤكدا أن التنمية تبدأ من المبادرات المحلية التي تنبع من حاجيات السكان وتستند إلى قيم التعاون والعمل المشترك.
وختم بالتأكيد على أن هذا المشروع ليس سوى محطة ضمن مسار طويل من رد الجميل للأرض والناس، ورسالة مفادها أن الوفاء لمسقط الرأس يظل من أنبل أشكال العطاء وأكثرها أثرا واستدامة.
المصدر:
العمق