اكتسب آخرُ لقاء جمع قيادتَي المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية المتحدة أبعادا استراتيجية بالغة الأهمية، لا سيما في ظل التحولات الجيو-سياسية المتسارعة التي تشهدها منطقتَا الخليج العربي والشرق الأوسط.
ويأتي لقاء قائدي البلدين في الرباط، أمس الثلاثاء، حسب ما أعلنه بلاغ للديوان الملكي المغربي، ليكرّس مرحلة متقدمة من “التشاور الاستراتيجي بين الحلفاء”، متجاوزا منطق العلاقات الدبلوماسية التقليدية نحو بناء شراكة استراتيجية فاعلة وقادرة على التأثير الإيجابي في التوازنات الإقليمية والدولية، مرتكزا على إرث تاريخي متين وتكامل ونوعي يجمع ثقل دبلوماسيتَيْ البلدين وموقعهما الجيو-استراتيجي.
في قراءته لأبعاد هذه الدينامية المتجددة، يرى الدكتور إدريس لكريني، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض باحث غير مقيم بمركز “تريندز” للبحوث والاستشارات، أن “الزيارة الأخيرة الخاصة لرئيس دولة الإمارات إلى المغرب لا يمكن عزلها عن مسار تطور العلاقات الثنائية، وهي علاقات تاريخية وطيدة تمتد لأكثر من نصف قرن من التواصل الأخوي المتجدد”.
وأوضح لكريني، ضمن تصريح لهسبريس حول الموضوع، أن هذه الروابط “شهدت زخما كبيرا وتعاظما ملحوظا خلال العقدين الأخيرين، شمل المستويات الاقتصادية، والدبلوماسية، والثقافية، والأمنية، بفضل وجود إرادة سياسية قوية وصادقة من قائدي البلدين، مما جعل هذا التعاون يقدم نموذجا حيا ومثاليا للعلاقات الإقليمية المبنية على تبادل المصالح المشتركة وتناغم المواقف”.
من جانبه، يشاطره المنظورَ نفسه محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، مؤكدا أن “البعد الجغرافي لم يكن يوما عائقا أمام بناء شراكات قوية ومتعددة الأبعاد مع دول الخليج، وفي مقدمتها دولة الإمارات”.
وفي حديثه لجريدة هسبريس، أضاف بوبوش أن “الزيارة المعلن عنها في بيان للديوان الملكي تمثل تكريسا لشراكة تاريخية متجذرة ومؤسَّسية، تندرج في سياق تفعيل إعلان الشراكة المبتكرة والمتجددة والراسخة، الموقّع بين البلدين في أبو ظبي عام 2023، بحضور وفد مغربي وازن”.
كما قرأ فيها أيضا دلالةَ “الانتقال بالعلاقات من مرحلة التعاون الثنائي التقليدي إلى مرحلة “التحالف الاستثماري الهيكلي”، بتوصيفه.
ولفت إلى أهمية “تنسيق الدبلوماسية الواقعية والبراغماتية لمواجهة البيئة الدولية والمناخ الاقتصادي المضطرب”، وهو ما تجلى في لقاء الملك محمد السادس برئيس الإمارات محمد بن زايد.
يقوم التحالف المغربي الإماراتي على مبدأ المعاملة بالمثل والدعم المطلق للقضايا السيادية؛ إذ أبرز إدريس لكريني “استثمار البلدين للمحافل الدولية لتجديد مواقفهما الثابتة”.
ويتجلى ذلك في مغربية الصحراء؛ إذ يُثمن المغرب الموقف الإماراتي الراسخ والمبدئي الداعم لوحدته الترابية، الذي تُوّج بفتح قنصلية عامة لدولة الإمارات بمدينة العيون عام 2020، بجانب المبادرات التضامنية الإنسانية كإرسال فريق إنقاذ إماراتي إبّان زلزال الحوز سنة 2023.
كما شدد الأستاذ الباحث عينه على موقف الرباط الثابت في دعم سيادة الإمارات على جُزرها الثلاث (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى) المحتلة من طرف إيران.
واستحضر المصرح لهسبريس أن “أمن الخليج خط أحمر” بالنسبة للمغرب الذي أدان مرارا الهجمات الإرهابية لجماعة الحوثي والاعتداءات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت المنشآت الإماراتية، معتبرا إياها مسا مباشرا بالأمن القومي العربي، مؤكدا على “الربط العضوي” والاستراتيجي بين أمن المملكة المغربية وأمن منطقة الخليج بصفة عامة.
وبينما تتطابق وجهات نظر الرباط وأبو ظبي تجاه القضايا الساخنة في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما في ظل حالة عدم الحسم والتوترات المتصاعدة الناجمة عن الحرب في المنطقة والتصعيد مع إيران، سجل بوبوش أن الجانبين “يتبنيان رؤية موحدة تفضل الحلول السياسية السلمية للأزمات (كالملف الليبي والسوداني)، ومكافحة التطرف، ورفض التدخلات الأجنبية في الشؤون العربية، فضلا عن “تأمين الملاحة الدولية”.
كما تشكل القضية الفلسطينية محورا أساسيا في التنسيق المشترك، كامتداد لنتائج الزيارة الملكية إلى أبوظبي أواخر 2023. ويسعى البلدان من خلال “دبلوماسية التوازن” إلى انتهاج سياسة خارجية براغماتية تعتمد على تنويع الشراكات الدولية مع القوى الكبرى دون الانحياز إلى محور معين، مما يمنحهما هامش مناورة أوسع في المحافل متعددة الأطراف (كالأمم المتحدة) للدفاع عن قضايا الجنوب العالمي مثل الأمن المائي، والأمن الغذائي، والتغير المناخي.
تُترجَم الإرادة السياسية المشتركة إلى مشاريع سيادية كبرى تعزز البنية التحتية والتحول الطاقي. وفي هذا الصدد، أكد الأستاذ محمد بوبوش أن “اللقاءات المباشرة بين القيادتين تسعى لتسريع وتيرة الاستثمارات الإماراتية في قطاعات استراتيجية بالمملكة، أبرزها “ميناء الداخلة الأطلسي”، وشبكات القطار فائق السرعة، ومشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر في جهات وأقاليم مغربية عديدة تشمل أيضا الصحراء المغربية.
ولا تقتصر هذه الشراكة على النطاق الثنائي، وإنما تمتد-بحسب الخبير في العلاقات الدولية–لتشكل “محورا تنمويا يربط الخليج العربي بالفضاء الإفريقي-الأطلسي”.
ويمثل المغرب، من هذا المنظور، “بوابة استراتيجية نحو غرب إفريقيا؛ إذ يتشاور قائدا البلدين بانتظام حول منطقة الساحل وصياغة مواقف مشتركة تدعم المشاريع الإقليمية الضخمة كأنبوب الغاز النيجيري-المغربي والمبادرة الأطلسية”، وهو ما يصفه بوبوش بـ”السعي المشترك لتوسيع الحضور الاقتصادي والسياسي الإيجابي” في القارة الإفريقية.
وأجمع المتحدثان لهسبريس على أن التراكم التاريخي والسياسي للعلاقات المغربية الإماراتية يتجاوز عوائق الجغرافيا ليصيغ أرضية متجددة للعمل العربي المشترك، خالصَيْن إلى أن هذا اللقاء يمثل “تحالف الضرورة الاستراتيجية والاستقرار”، حيث يسهم التكامل بين الثقلين في إفراز قطب عربي معتدل وقادر على مواجهة الإشكاليات الهيكلية التي يعاني منها النظام الإقليمي العربي، مقدما نموذجا ناجحا للتنمية والاعتدال السياسي في منطقة مضطربة.
المصدر:
هسبريس