يعود النقاش حول جودة الخدمات القنصلية المقدمة لمغاربة العالم إلى الواجهة بين الفينة والأخرى، في ظل استمرار تسجيل شكايات مرتبطة بصعوبة التواصل والحصول على المواعيد وطول بعض المساطر الإدارية داخل عدد من التمثيليات القنصلية المغربية بالخارج، رغم الإصلاحات التي باشرتها الدولة خلال السنوات الأخيرة لتحسين الخدمات وتقريب الإدارة من الجالية المغربية المقيمة بالخارج.
ويستند هذا النقاش إلى توجيهات ملكية منذ 2015 تدعو إلى الارتقاء بجودة الخدمات الموجهة لمغاربة العالم. ففي الذكرى السادسة عشرة لعيد العرش المجيد، دعا الملك محمد السادس إلى “تحسين التواصل والتعامل مع أفراد الجالية المغربية المقيمة في الخارج وتقريب الخدمات منهم وتحديث وتبسيط المساطر واحترام كرامتهم وصيانة حقوقهم”، وهو ما تُرجم لاحقا بإطلاق وزارة الشؤون الخارجية والتعاون رقما أخضر دوليا لتلقي شكايات أفراد الجالية المرتبطة بالخدمات القنصلية.
ورغم هذه الجهود، ظل موضوع الخدمات القنصلية حاضرا ضمن النقاش العمومي والمؤسساتي. ففي سنة 2021، كشفت المهمة الاستطلاعية المؤقتة لبعض قنصليات المملكة المغربية بالخارج، التي أحدثتها لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين بالخارج بمجلس النواب، عن مجموعة من الصعوبات التي تواجه أفراد الجالية أثناء قضاء أغراضهم الإدارية داخل بعض القنصليات المغربية.
وسجل التقرير البرلماني آنذاك عددا من الإشكالات، من بينها غياب آليات لتتبع الملفات داخل بعض القنصليات، وضعف التنسيق بين الإدارات المعنية بتسليم الوثائق اللازمة لتصحيح بعض الأخطاء الإدارية، إلى جانب مشاكل مرتبطة بمساطر تطبيق بعض المقتضيات القانونية التي تهم أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج.
كما أعاد الموضوع نفسه الظهور خلال سنة 2025 من خلال سؤال كتابي وجهه رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، إلى وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج بشأن الصعوبات التي يواجهها مغاربة العالم في الحصول على وثائق الحالة المدنية، رغم توفر منصة إلكترونية رسمية لهذا الغرض، معتبرا أن اقتصار التوصل بهذه الوثائق على عناوين داخل المغرب يطرح إشكالات عملية بالنسبة لعدد من أفراد الجالية.
ولم يقتصر النقاش حول جودة الخدمات القنصلية على التقارير البرلمانية والأسئلة الموجهة إلى الحكومة، بل عاد إلى الواجهة خلال الأيام الأخيرة من خلال واقعة جرى تداولها على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تتعلق بسيدة مغربية قيل إنها تعرضت لإصابة خطيرة خلال وجودها بدولة الإمارات العربية المتحدة في ظل التوترات الأمنية التي شهدتها المنطقة، قبل أن تواجه، بحسب الرواية المتداولة، صعوبات في التواصل مع السفارة المغربية من أجل تجديد جواز سفرها المنتهي الصلاحية والعودة إلى المغرب لتلقي العلاج.
ووفق المعطيات المتداولة، فإن المعنية بالأمر، وهي مديرة شركة تنشط في مجال استقطاب الاستثمارات، كانت في مهمة مهنية للترويج لمؤتمر استثماري بالمغرب، قبل أن تتعرض لإصابة وصفت بالخطيرة، لتجد نفسها، بحسب الرواية نفسها، أمام صعوبات في التواصل مع المصالح القنصلية، ثم الحصول على موعد لتجديد جواز سفرها، حيث أثارت هذه الواقعة تفاعلا واسعا بين أفراد الجالية ومتابعين للشأن العام، وأعادت إلى الواجهة تساؤلات مرتبطة بسرعة الاستجابة للحالات الإنسانية والاستعجالية داخل بعض التمثيليات الدبلوماسية والقنصلية.
وبغض النظر عن تفاصيل هذه الواقعة التي لم يتسن التحقق بشكل مستقل من جميع معطياتها، فإنها أعادت إلى الواجهة مطالب متكررة بضرورة تعزيز التواصل وتبسيط المساطر وتطوير آليات التدخل والاستجابة في الحالات الإنسانية والاستعجالية، بما ينسجم مع التوجيهات الملكية الداعية إلى تحسين الخدمات المقدمة لمغاربة العالم وصيانة حقوقهم وكرامتهم.
في هذا السياق، أكد الدكتور يس أفقير، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، والأستاذ المحاضر بالمعهد العالي للمهن التمريضية وتقنيات الصحة بالرباط، أن البعثات الدبلوماسية والقنصلية تمثل امتدادا مباشرا لصورة الدولة في الخارج، ليس فقط باعتبارها مؤسسات إدارية، وإنما بوصفها أدوات لـ«الدبلوماسية القنصلية» التي تقيس من خلالها الجاليات مدى اهتمام الدولة بمواطنيها المقيمين بالخارج.
وأوضح أفقير، في تصريح خص به جريدة “العمق”، أن طريقة تعامل بعض السفارات والقنصليات المغربية مع أفراد الجالية تكشف عن تداخل بين بعدين أساسيين، يتعلق الأول بجودة الخدمات والنجاعة الإدارية، فيما يرتبط الثاني بالإحساس بالإنصاف والاحترام والانتماء لدى المواطن المغربي المقيم بالخارج.
وأشار المتحدث إلى أن الشهادات المتداولة بشأن أداء بعض القنصليات المغربية بالخارج تعكس صورة متباينة، إذ يعبّر عدد من أفراد الجالية عن استيائهم من بعض الإكراهات المرتبطة بالإجراءات الإدارية أو محدودية التواصل وجودة الاستقبال، في حين تتحدث شهادات أخرى عن تحسن ملموس في مستوى الخدمات، خاصة مع اعتماد القنصليات المتنقلة وتوسيع آليات تقريب الإدارة من المواطنين المقيمين بالخارج.
وأضاف أن تفاعل وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج مع عدد من الشكايات المرتبطة بالعمل القنصلي يعكس إدراكا رسميا لوجود بعض الاختلالات، إلى جانب وجود توجه نحو تطوير الأداء وتحسين جودة الخدمات المقدمة للجالية المغربية.
واعتبر أفقير أن تكرار الشكايات وتحولها إلى ظاهرة متداولة في أكثر من بلد وسياق قنصلي يمكن اعتباره مؤشرا على وجود اختلالات بنيوية داخل بعض التمثيليات القنصلية المغربية بالخارج، موضحا أن الدراسات المرتبطة بالعلاقات الدولية والإدارة الدبلوماسية لا تقيس فعالية البعثات القنصلية فقط بمدى احترامها للمساطر القانونية، بل أيضا بقدرتها على تقديم خدمة عمومية قائمة على السرعة والشفافية وحسن التواصل مع المواطنين.
وفي تفسيره لتكرار الشكاوى المرتبطة بصعوبة التواصل مع بعض القنصليات المغربية، أوضح أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية أن الأمر يرتبط بعوامل متداخلة تجمع بين ما هو تنظيمي وبشري وتقني، مشيرا إلى أن بعض التمثيليات القنصلية تواجه ضغطا كبيرا نتيجة ارتفاع عدد أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج وتزايد الطلب على الخدمات الإدارية والقانونية، ما قد يؤدي إلى ضعف القدرة على الاستجابة السريعة للاتصالات والاستفسارات.
كما أشار إلى أن هذه الشكاوى قد تعكس وجود اختلالات في آليات التدبير والتواصل الإداري، سواء بسبب محدودية الموارد البشرية، أو غياب أنظمة رقمية فعالة لتدبير المواعيد وتتبع الطلبات، أو ضعف ثقافة التواصل المؤسساتي داخل بعض المصالح القنصلية، مؤكدا أن تكرار هذه الشكاوى لا يرتبط فقط بأخطاء فردية أو حالات معزولة، بل يكشف الحاجة إلى تطوير منظومة التواصل القنصلي عبر تعزيز الرقمنة وتحسين التكوين الإداري واعتماد آليات أكثر فعالية للتفاعل مع المواطنين.
وشدد أفقير على أن التوجيهات الملكية الصادرة عن الملك محمد السادس بشأن تحسين جودة الخدمات القنصلية تعكس اهتماما واضحا بتطوير علاقة الدولة المغربية بجاليتها بالخارج، باعتبار أن القنصليات لم تعد مجرد فضاءات إدارية، بل أصبحت واجهة أساسية لصورة الدولة وفاعلية دبلوماسيتها تجاه المواطنين المقيمين بالخارج.
وأضاف أن هذه التوجيهات ركزت، في أكثر من مناسبة، على ضرورة تبسيط المساطر وتحسين الاستقبال وتقريب الإدارة من الجالية وتعزيز الحكامة داخل المرافق القنصلية، غير أن تفعيلها، بحسب تعبيره، لا يزال متفاوتا بين قنصلية وأخرى، إذ تشير شهادات متداولة من بعض أفراد الجالية إلى استمرار اختلالات تتعلق ببطء الإجراءات وضعف التواصل وصعوبة الحصول على المعلومات أو المواعيد في بعض الحالات.
وأوضح المتحدث أن هذا التفاوت يعكس استمرار تحديات مرتبطة بالموارد البشرية وثقافة التدبير والضغط المتزايد على بعض القنصليات، معتبرا أن الإشكال لا يرتبط فقط بغياب الوسائل التقنية أو الموارد البشرية، بل أيضا بثقافة إدارية ما زالت، في بعض الأحيان، بعيدة عن مفهوم “الإدارة المواطنة” القائمة على الإنصات والسرعة والشفافية.
وأكد أن نجاح أي إصلاح حقيقي يظل رهينا بقدرة الوزارة على الانتقال من منطق تدبير الشكايات بعد وقوعها إلى منطق الوقاية وتحسين جودة الخدمة بشكل استباقي، مبرزا أنه رغم وجود جهود لتحسين الأداء، خاصة من خلال القنصليات المتنقلة وتبسيط بعض المساطر، فإن هذه المبادرات تبقى غير كافية في نظر عدد من أفراد الجالية الذين ينتظرون إصلاحا أعمق يضمن معاملة أكثر مهنية واحتراما وفعالية داخل مختلف التمثيليات القنصلية المغربية بالخارج.
ومن منظور العلاقات الدولية، اعتبر أفقير أن شعور مغاربة العالم بعدم تفاعل مؤسسات بلدهم مع أزماتهم يرسل إليهم رسالة مفادها أن علاقتهم بالدولة تصبح ضعيفة في لحظات الحاجة، وأن الاهتمام بهم يظل، أحيانا، مرتبطا بالخطاب أكثر من الممارسة، وهو ما قد يؤثر سلبا على مستوى الثقة والانتماء، خاصة لدى الأجيال الجديدة من الجالية التي تنتظر إدارة أكثر قربا وفعالية واحتراما لانشغالاتها اليومية.
كما شدد على أن طبيعة العمل الدبلوماسي والقنصلي اليوم لم تعد تقتصر على الكفاءة الإدارية فقط، بل أصبحت تتطلب أيضا مهارات التواصل وحسن التدبير والقدرة على التفاعل الإنساني مع قضايا الجالية، معتبرا أن إعادة النظر في معايير الاختيار والتقييم أصبحت ضرورية عبر ربط المسؤولية بالكفاءة وجودة الخدمات ومدى احترام حقوق المواطنين وتحسين صورة المؤسسات المغربية بالخارج.
وختم أفقير تصريحه بالتأكيد على أن تحسين جودة الخدمات القنصلية وتعزيز الثقة بين الجالية المغربية ومؤسسات بلدها يشكلان رهانا أساسيا في تقوية ارتباط مغاربة العالم بوطنهم الأم، مثمنا المجهودات التي يبذلها الملك محمد السادس من خلال توجيهاته المتواصلة للعناية بأوضاع الجالية المغربية بالخارج وتحسين الخدمات المقدمة لها، إلى جانب الجهود التي تقوم بها وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج لتطوير العمل القنصلي وتحديث آلياته، معتبرا أن مواصلة الإصلاح وتعزيز الحكامة والتواصل تبقى خطوات أساسية لبناء علاقة أكثر ثقة وفعالية بين الجالية ومؤسساتها الوطنية.
المصدر:
العمق