آخر الأخبار

الانخراط في بعثات الأمم المتحدة يعزز تموقع المغرب في التوازنات الدولية

شارك

شدد باحثون في العلاقات الدولية وتدبير النزاعات على أن “حضور المغرب في المسار الأممي لحفظ السلام يعزز نفوذ المملكة ويحمي مصالحها الحيوية في سياق إقليمي ودولي يتسم بحالات عدم الاستقرار، ويثبت قدرة الدبلوماسية الأمنية المغربية على حماية التوازنات الإستراتيجية في المحيط الإقليمي والمجال الإفريقي”، مبرزين أن “الرباط تمكنت من نيل موقع يضعها جسراً بين منطق الأمن الصلب ومنطق الاستقرار التنموي”

وأكد الباحثون الذين تحدثوا إلى هسبريس بمناسبة اليوم الدولي لحفظة السلام، الموافق 29 ماي من كل سنة، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة تزامناً مع إنشاء أول بعثة أممية لحفظ السلام لمراقبة الهدنة بين إسرائيل والدول العربية سنة 1948، أن “جهود المغرب في حفظ السلام تعكس انتقالاً تدريجياً من دبلوماسية ‘المشاركة’ إلى دبلوماسية ‘الهندسة المؤسساتية'”، مبرزين أن “الرباط لم تعد تسعى فقط إلى الحضور داخل المنظومة الأممية، بل إلى المساهمة في صياغة أولوياتها، خصوصاً في القضايا الإفريقية”.

انضباط مؤسساتي

هشام معتضد، باحث في الشؤون الإستراتيجية، أفاد بأن “قراءة الدور المغربي في حفظ السلام الأممي لا ينبغي أن تبقى أسيرة المقاربة التقليدية التي تختزل المشاركة في عدد الجنود أو حجم الانتشار الميداني، بل يجب فهمها باعتبارها جزءاً من هندسة دبلوماسية- أمنية بعيدة المدى، يسعى المغرب من خلالها إلى تحويل مساهمته العسكرية إلى رأسمال إستراتيجي داخل المنظومة متعددة الأطراف”.

وأضاف معتضد، في تصريحه لجريدة هسبريس، أنه “حين تستثمر دولة متوسطة القوة في عمليات الأمم المتحدة بشكل مستمر فهي لا تبحث فقط عن الشرعية الرمزية، وإنما تبني ما يمكن تسميته ‘نفوذاً مؤسساتياً هادئاً’ داخل بنية النظام الدولي، أي قدرة متراكمة على التأثير في النقاشات المرتبطة بالأمن الجماعي، وإدارة النزاعات، وبناء السلام”، مورداً أن “المغرب، في هذا السياق، يقدّم نموذجاً مختلفاً نسبياً عن عدد من الدول المساهمة في عمليات حفظ السلام”.

وأوضح الباحث ذاته أن الرباط لا تطرح نفسها كـ”مزود للقوات”، ولكن كـ”فاعل” يربط بين الخبرة العملياتية والرؤية السياسية للأمن الإقليمي، خصوصاً في إفريقيا، مبرزاً أن “المشاركة المغربية في بعثات متعددة، من الكونغو إلى جمهورية إفريقيا الوسطى وغيرها، لم تكن مجرد انخراط تقني، بل جزءا من تصور أوسع يقوم على أن استقرار إفريقيا لا يُدار فقط عبر التدخلات العسكرية، وإنما عبر إعادة بناء الثقة المؤسساتية، ودعم الدولة الوطنية، وتقوية مناعة المجتمعات ضد الانهيار الأمني”.

ومن زاوية الدبلوماسية الأممية قرأ المتحدث نفسه هذا التراكم كـ”تفسير جزئي لسبب نظر المجتمع الدولي إلى المغرب بصورة متزايدة كفاعل ‘منتج للأمن’ لا مجرد مستفيد منه”، وزاد: “هنا يكمن التحول المهم: فالدول التي تساهم بانتظام في إدارة الأزمات الدولية تكتسب تدريجياً مصداقية تفاوضية أعلى داخل الأمم المتحدة، لأنها تصبح جزءاً من الحلول لا من الاصطفافات الخطابية فقط”، مسجلاً أنه “لذلك يعد انتخاب المغرب أو حضوره المتزايد في هياكل مرتبطة ببناء السلام والأمن نتيجة تراكم طويل لسياسة تقوم على الحضور الميداني المقرون بالانضباط المؤسساتي”.

لكن معتضد يرى أن “الأهم إستراتيجياً هو أن المغرب يبدو واعياً بتحول طبيعة النزاعات نفسها”، مبرزاً أن “عمليات حفظ السلام لم تعد مجرد مراقبة لوقف إطلاق النار بين جيوش نظامية، بل أصبحت تتعامل مع الإرهاب العابر للحدود، والتهديدات السيبرانية، والجريمة المنظمة، والانهيارات المؤسسية؛ وهذا يفرض على الدول المساهمة أن تطور مفهومها للأمن من المقاربة العسكرية الصرفة إلى مقاربة هجينة تجمع بين الأمن والتنمية والحوكمة”.

رؤية إستراتيجية

ذكر البراق شادي عبد السلام، خبير دولي في إدارة الأزمات وتحليل الصراع، أن “المشاركة المغربية في عمليات حفظ السلام تستند إلى رؤية سيادية تعتبر الأمن الدولي امتداداً عضوياً للاستقرار الوطني”، موضحاً أنها “تتجاوز المهام الميدانية ذات الطابع العسكري التكتيكي لتصبح أداة دبلوماسية إستراتيجية ذات أبعاد جيوسياسية”، وتابع: “هذا الحضور يعكس عقيدة المملكة القائمة على التضامن ‘جنوب-جنوب'”.

وأشار البراق، في تصريحه لهسبريس، إلى أن “القوات المغربية لا تكتفي بضبط مناطق النزاع، بل تعمل على بناء جسور الثقة مع المجتمعات المحلية عبر مقاربة إنسانية وتنموية تكرس صورة المغرب كشريك موثوق يضع سيادة الدول وسلامتها الترابية ضمن ثوابت عمله الأممي، ويحول التواجد العسكري إلى رافعة للسلم المستدام”، مشدداً على أن “الاحترافية المغربية في إدارة الأزمات تتجلى عبر تراكم خبرة مؤسساتية ميدانية تمتد لعقود”.

هذا التوجه، وفق المتحدث، “يرسخ القوات المسلحة الملكية داخل المنظومة الأممية كعنصر فاعل في ضبط التوازنات الهشة بمناطق التوتر”، مبرزاً أن “هذا الانخراط النوعي للمغرب يتيح مراقبة التحولات الجيوسياسية في محيطه الحيوي والتعامل الاستباقي مع التهديدات العابرة للحدود، كالإرهاب والجريمة المنظمة، وهو ما يعزز مكانة المملكة كفاعل محوري قادر على تقديم رؤى تحليلية دقيقة لأروقة الأمم المتحدة، مستمدة من دراية عميقة بتضاريس النزاعات وخصوصياتها السوسيو-سياسية التي تفهم عمق التعقيدات القبلية والسياسية في مسارح العمليات”.

وذكر الباحث ذاته أن “الالتزام المغربي بالشرعية الدولية يعكس تمسكاً ثابتاً بالنظام متعدد الأطراف”، مورداً أن “المغرب يربط دائماً بين ممارساته الميدانية وبين الدفاع عن ثوابت القانون الدولي”، وزاد: “هذه الممارسة لا تنفصل عن السياسة الخارجية للبلد التي توازن بين الواقعية السياسية والالتزام الأخلاقي، ما يمنح الرباط ثقلاً سياسياً داخل الهيئات الأممية، ويجعلها مرجعاً إقليمياً في صياغة الحلول الأمنية والعسكرية التي تدمج بين الإكراه المؤسساتي وبين تدبير الحوار السياسي المحلي لإنهاء حالات الاحتراب وتفكيك بؤر الأزمات من جذورها”.

وخلص شادي البراق إلى كون “التضحيات البشرية للقوات المغربية في مختلف البعثات الأممية تجسد قمة الوفاء بالالتزامات الدولية، وتعد شهادة حية على جسامة المسؤولية التي تتحملها المملكة في سبيل السلم العالمي”، مبرزا أن “هذا المسار التاريخي يؤكد أن دور المغرب كقوة إقليمية صاعدة ليس وليد ظرفية عابرة أو استجابة لضغوط خارجية، بل هو قرار سيادي إستراتيجي يهدف إلى تحويل منطق الأزمات إلى مسارات مستدامة للاستقرار”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا