كثيرا هي آراء العديد ممن جالسوا الناس وجالسوا أنفسهم وهو يهمسون أو يتحدثون بنبرة حزينة تختزل كل شيء..
تختزل حجم الحنين إلى زمن قد فات، ولى بلارجعة
وكأن لسان حالهم يقول:
” مع هذا الزمان العيد تبدل مشى مع أيام زمان، زمن التكافل والتعاون والزيارات العائلية وتوزيع الأدوار شي يذبح وشي شاد من القرون…”
جيران لا يكلمون بعضهم البعض ولا يتزاورون…
ينظرون إلى بعضهم البعض بطرف خفي من العين…
بالشارع أكياس من النفايات ليست كالنفايات بها “رؤوس الأضاحي وجلودها وأحشاؤها بعد أن عجزت بعض النسوة عن تفكيكها وغسلها وإعادة تدويرها…”
وكأن لسان كثيرين يقول : ” أين دور الجدة، أين دور الأم…أين عيد زمان، أين نكهة الحناء والثوب الأبيض المعطر بماء الورد، أين الذبيحة التي كانت تُنشر شحومها عند الذبح على أكتاف الصغار…”.
كان الناس جميعهم قلوبهم على بعضهم البعض يتزاورون ويتعانقون..
كانت البيوت ضيقة صغيرة صغر مساحتها، لكنها كانت تتسع لاستقبال الجميع وتحتوي الجميع وتُلطف بين قلوب الجميع على موائد الشواء وكؤوس الشاي المنعنع الذي فقد بدوره نكهته ورائحته التي تجلب القادم من بعيد..
إنه العيد في زمن العولمة،..زمن الكل يتأبط هاتفه النقال باحثا عن اللايكات والجيمات ولو على حساب آلام الناس والاستهزاء بالأضحية التي هي قربان إلى المولى عز وجل..
إنه العيد في زمن الهرج والمرج والتهاني ب” الكوبي كولي” حتى صاحبها لم يعرف حتى لمن أرسلها..المهم تمت عملية الارسال بنجاح…
حتى التهاني تُبعث عبر رسائل نصية ومكالمات هاتفية، فقدت الزيارات الميدانية بريقها، لم يعد الأطفال مكترثين لها، وهي التي توطد الأواصر وصلة الرحم بين الأفراد وتصنع الأجيال..
كان الناس في الزمن الجميل، يعانقون العيد ويستقبلونه بحواسهم وأحاسيسهم…
أبواب الجيران كانت مفتوحة للعموم، كل من تقدم ودق الباب واستأذن يدخل، ويساهم ويساعد ويقدم يد العون لاينصرف حتى يتذوق من لحم الخروف وكبده…
كان الذبح مشتركا، وكان كبير القوم بالدوار أو الحي يطوف موزعا التهاني والتبريكات واضعا خدمة الذبح رهن إشارة الجميع وبالمجان….
كان الصغار يملؤون الأرجاء لعبا وحركة وعناقا للكبار طلبا ل ” فلوس العيد”، وكانت الأضاحي تملأ الفضاء الفسيح ثغاء وروائح تنعش الروح وتشفي مرضى ” الحساسية والضيقة والأمراض التنفسية”..
كان الجد والجدة والزوجة الصالحة جميعهم، يؤثثون المشهد ويخلقون الحدث ويصنعون الفرحة والدفء على موائد الشواء…
اليوم، بات المشهد مختلفا لا علاقة له بما ذُكر، عنوانه الأبرز ” سد عليا نسد عليك، جري عليا نجري عليك، تفاخر وتطاحن وتدافع، وتبادل التهاني والعناق بطعم النفاق…”
أكباش تُباع في الفضاء الأزرق، وشهادات تُدمي القلب، وروايات وحكايات تُنسج في الأسواق لاستمالة المشاهدين وترطيب القلوب وجلب الاحسان وضغضغة المشاعر…
لم يكن هذا التحول قفزة نوعية مفاجئة، بقدر ماهو مسار طويل عريض من التغيرات الاجتماعية والتقنية التي أعادت تعريف علاقتنا بالأداء الشعائري، محولة المشهد من طقوسٍ مرئية مشحونة بالحضور إلى معاملات رقمية عالية التنظيم في زمن العولمة…
يوم الذبح وبعد الذبح، أصبحت السرعة سيدة الموقف، الكل يسابق الزمن لتقطيع الأضحية تقطيعا بسرعة البرق خوفا من تحول لونها ورائحتها، ولم يعد الاحتفاظ بها والتمعن بها ممكنا، وهي معلقة داخل المنزل والصغار يجتمعون حولها يسرقون من أطرافها أجزاء صغيرة خلسة لوضعها على نار الشواء بعيدا عن عيون الأمهات..
هي ثورة المنصات الإلكترونية والتطبيقات المتخصصة، باتت الأضحية خدمة منظمة تُنجز فيها العملية في ثوانٍ معدودة ذبحا وتقطيعا وتخزينا…
حتى شراؤها بات قصة بلا نهاية…
إنه العيد في زمن الرقمنة، فيها تُختزل الشعيرة في معاملة الضغط على زر الاعجاب وحصد اللايكات والتسول الرقمي..
فيها فقد النشء الصغير من أطفال اليوم ورجال الغد، القدرة على فهم العيد بجوارحهم وأحاسيسه، ومعها فقدت الأسر لحظة العمل التشاركي والتعاون على صناعة العيد داخل البيت…
إنه زمن العيد بين عالمين، عالم الطقوس المادية والتاريخ والجغرافيا والتشبت بالتقاليد والعادات وإحياء الشعيرة الدينية، وبين عالم الرقمنة والتكنولوجيا وتحويل العبادات إلى معاملات ميكانيكية صرفة بلا طعم ولا رائحة…
وإلى أن يُفرج الخالق الكرب، ويتقبل العمل….
يبقى التحدي الأكبر والأسمى، هو حضور القلب واستمرارية اتصال الوجدان الإنساني بمعنى العطاء والتقرب إلى المولى عز وجل، حتى لا يتحول العيد من شعيرة دينية احياء لسنة نبينا ابراهيم عليه السلام، إلى فرصة لاقتناص الفرص وصناعة الحدث وتغول الفضاء الرقمي بمداخيل مالية عبر الضغط على زر الاعجاب..
المصدر:
هبة بريس