تحولت أجواء عيد الأضحى بإقليم وزان، هذه السنة، من مناسبة دينية واجتماعية ينتظرها السكان بفرح ولم شمل، إلى حالة من الغضب والاستياء والاحتقان، بعدما وجدت عشرات آلاف الأسر نفسها تقضي أيام العيد بدون ماء صالح للشرب، في ظل انقطاعات واسعة واضطرابات متواصلة مست مدينة وزان وعددا من الجماعات القروية التابعة للإقليم.
ومنذ يوم الأحد الماضي، بدأت مؤشرات الأزمة في الظهور، قبل أن تتفاقم بشكل حاد ابتداء من ليلة الإثنين، لتتحول يوم الثلاثاء، عشية العيد، إلى انقطاع شبه شامل للمياه عن مدينة وزان وجماعات سيدي رضوان، وأسجن، وعين بيضاء، وبني كلة، وامزفرون، وهو الوضع الذي استمر خلال يوم عيد الأضحى بشكل متفاوت بين مختلف المناطق.
وفي الوقت الذي عادت فيه المياه تدريجيا إلى بعض أحياء مدينة وزان خلال ثاني أيام العيد، لا تزال عدة دواوير ومناطق قروية تعيش، إلى حدود الساعة، على وقع الانقطاع أو التزويد المتقطع، ما عمق معاناة السكان وأجج موجة الغضب تجاه الجهات المسؤولة عن تدبير القطاع.
“العيد تحول إلى جحيم”
كشفت شهادات متطابقة استقتها جريدة “العمق” من سكان المناطق المتضررة، أن أغلب الأحياء العليا بمدينة وزان لم تصلها المياه طيلة يومي الثلاثاء والأربعاء، أي عشية العيد ويوم العيد، في حين عرفت بعض الأحياء السفلى تزويدا متقطعا وغير مستقر.
ومن بين الأحياء التي عاشت انقطاعا شبه تام للمياه، بحسب السكان، أحياء فلسطين، والقشيلة، والرويضة، فيما عانت جماعات سيدي رضوان وأسجن وعين بيضاء من اضطرابات حادة وانقطاع شبه كامل للمياه خلال يوم العيد، قبل أن تعود المياه جزئيا إلى بعض المناطق بعد عصر الأربعاء.
إقرأ أيضا: عشية العيد.. انقطاع شامل للمياه بوزان وجماعات مجاورة يشعل موجة غضب سياسي وشعبي
أما جماعة بني كلة، فتحدث سكانها عن وضع “كارثي”، مؤكدين أن عددا من الدواوير لم تصلها المياه نهائيا، بينما توصلت دواوير أخرى بكميات محدودة قبل أن ينقطع التزويد مجددا، ليستمر الوضع إلى غاية ثاني أيام العيد.
وفي خضم هذه الأزمة، عبر مواطنون عن استيائهم العميق مما وصفوه بـ”تحويل فرحة العيد إلى جحيم”، خاصة في ظل الحاجة الكبيرة للمياه خلال عيد الأضحى، سواء لأغراض النظافة أو ذبح الأضاحي أو تنظيف المنازل.
وقال الناشط المحلي أحمد الدقيقي، في تدوينة لاقت تفاعلا واسعا: “كنا ننتظر العيد.. أما الآن فإننا ننتظر الماء فقط”، في تعبير اختزل حجم الإحباط الذي خيم على الساكنة.
“مكتب الكهرماء” في قفص الاتهام
في خضم هذا الوضع، تصاعدت الانتقادات الموجهة إلى المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، باعتباره الجهة المسؤولة عن منشآت المياه التي تسببت في الأزمة، وسط اتهامات بتكرار الأعطاب وضعف الاستجابة، خاصة في المناسبات التي يرتفع فيها الطلب على الماء.
وأفاد مصدر مسؤول بالشركة الجهوية متعددة الخدمات بجهة طنجة تطوان الحسيمة، في تصريح لجريدة “العمق”، أن أصل المشكل لا يعود إلى الشركة الجهوية، بل إلى المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، موضحا أن عطبا طال منشآت حيوية أدى إلى اضطراب واسع في التزويد.
وحسب المصدر ذاته، فإن الأزمة بدأت يوم الأحد، وتفاقمت بشكل كبير مساء الإثنين ويوم الثلاثاء، بعد تدخل تقني لإصلاح عطب على مستوى منشأة رئيسية، غير أن محاولات الإصلاح أدت إلى اختلالات إضافية في الشبكة.
وأكد المصدر أن فرق المؤسستين “تعمل بتنسيق ميداني مكثف” لإعادة الوضع إلى طبيعته، مشددا على أن المسؤولية التقنية المباشرة تقع على المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.
تراجع في الصبيب
من جهته، أوضح المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، عبر مديريته الجهوية بالشمال، أن الاضطرابات المسجلة تعود إلى انخفاض إنتاجية القنوات الرئيسية المزودة لمدينة وزان والمراكز المجاورة، نتيجة “تراكم جيوب هوائية داخل بعض مقاطع القناة”.
وأضاف المكتب في بلاغ له، أن هذا الوضع تسبب في انخفاض في الصبيب وصل إلى حوالي 50 في المائة يوم الثلاثاء، ما أدى إلى اضطراب واسع في التزويد بالماء الصالح للشرب.
وأشار المكتب إلى أنه عبأ فرقه التقنية من أجل تفريغ جيوب الهواء وإعادة ضبط القنوات في أقرب وقت ممكن، مقدما اعتذاره للساكنة عن هذا الاضطراب الذي وصفه بـ”الخارج عن إرادته”.
غير أن هذه التوضيحات الرسمية لم تُبدد غضب السكان، الذين اعتبروا أن الأزمة “لم تعد ظرفية”، بل تعكس، بحسبهم، اختلالات متكررة في تدبير قطاع الماء بالإقليم.
في نفس السياق، أصدرت الشركة الجهوية متعددة الخدمات بجهة طنجة تطوان الحسيمة، المشرفة على تدبير قطاع الماء والكهرباء بالجهة، إشعارا أوضحت فيه أن الاضطرابات المسجلة تعود إلى “عطب تعرضت له قناة الجر الرئيسية التابعة للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب”.
وقالت الشركة إن هذا العطب تسبب في اضطرابات بشبكة التوزيع “قد تصل إلى حد الانقطاع” بجماعات وزان، سيدي رضوان، بني كلة، اسجن، عين بيضاء، وامزفرون، مشيرة إلى أن فرق المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، بتنسيق مع فرقها التقنية، تواصل تعبئتها الميدانية من أجل إصلاح العطب واستئناف التزويد تدريجيا ابتداء من حوالي الساعة الثامنة مساء.
وأضافت الشركة في بلاغها الذي تتوفر “العمق” على نسخة منه، أنها اتخذت، بتنسيق مع السلطات المعنية، الاحتياطات والتدابير الاستباقية اللازمة لضمان مرور عيد الأضحى في أفضل الظروف الممكنة، داعية المواطنين إلى الاستعمال العقلاني للماء وتفادي التبذير، قبل أن تقدم اعتذارها للساكنة عن هذا الاضطراب الذي وصفته بـ”الخارج عن إرادتها”.
غير أن هذه التوضيحات لم تخفف من حدة الغضب والاستياء وسط السكان والفاعلين المحليين، إذ دخلت أحزاب وفعاليات سياسية على خط الأزمة، مطالبة بتدخل عاجل وضمان حق المواطنين في الماء الصالح للشرب.
غضب شعبي
وخلفت الأزمة موجة غضب واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تداول نشطاء صورا وشهادات توثق معاناة السكان مع البحث عن المياه خلال أيام العيد.
وفي بيان استنكاري، عبر نشطاء محليون عن “استيائهم الشديد” من الانقطاعات المتكررة للماء الصالح للشرب، معتبرين أنه “من غير المقبول أن تحرم ساكنة وزان من أبسط حقوقها الأساسية في أيام العيد”.
وأشار البيان إلى أن الأزمة تزداد حدة مع توافد أبناء المنطقة المقيمين بالخارج أو بمدن أخرى لقضاء عطلة العيد مع عائلاتهم، قبل أن يفاجؤوا بـ”انعدام أبسط شروط العيش الكريم”.
وحمل النشطاء المسؤولية للجهات المشرفة على تدبير القطاع، مطالبين بتدخل عاجل لتدارك الوضع وضمان انتظام التزويد بالماء، مؤكدين أن “كرامة المواطن الوازاني فوق كل اعتبار”.
مدينة السدود والعطش
وفي خضم هذا الجدل، عاد فاعلون حقوقيون ومدنيون إلى طرح مفارقة “العطش وسط الوفرة المائية”، بالنظر إلى وجود إقليم وزان ضمن المجال الترابي الذي يحتضن اثنين من أكبر السدود بالمغرب، هما سد الوحدة وسد وادي المخازن.
واعتبر الحقوقي عبد السلام علالي أن ما تعيشه وزان “مفارقة صادمة”، متسائلا كيف يمكن لإقليم توجد به هذه المنشآت المائية الضخمة أن يتحول، كل سنة، إلى “فضاء للعطش والاحتجاج والانقطاعات المتكررة”.
من جهته، وصف الناشط إدريس بقالي الوضع بـ”الفضيحة المتكررة”، معتبرا أن أزمة الماء أصبحت تكشف “خللا صارخا في الحكامة وغيابا للمحاسبة”، رغم التوجيهات الملكية المتكررة التي تؤكد أن الماء قضية استراتيجية ووجودية.
أما الناشط ياسين غلالو، فاستعاد في تدوينة مؤثرة ما سماها “عقدة الماء” التي طبعت حياة أجيال كاملة بجبال وزان، متحدثا عن معاناة السكان منذ الطفولة في البحث عن المياه، قبل أن تتحول معاناة “العين والبئر” إلى معاناة “الصنبور الفارغ”، رغم مشاريع الربط الفردي التي كلفت السكان أموالا كبيرة.
ردود فعل سياسية
وفي هذا السياق، قال العربي المحرشي، النائب البرلماني والأمين الإقليمي لحزب الأصالة والمعاصرة بوزان، إن الساكنة تعيش معاناة حقيقية بسبب “الانقطاع المتكرر للماء الصالح للشرب”، معتبرا أن هذا الوضع “غير مقبول” ويهدد حياة المواطنين ويعطل استعداداتهم لهذه المناسبة الدينية والاجتماعية.
ودعا المحرشي رئيس المجلس الجماعي إلى التدخل العاجل والشفاف لتوضيح أسباب الانقطاع وتقديم حلول عملية تضمن حق المواطنين في التزود بالماء، الذي وصفه بأنه “أبسط مقومات العيش الكريم”.
من جهته، أصدر فرع حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي بوزان بلاغا شديد اللهجة، عبر فيه عن قلقه من الانقطاعات المتواصلة للماء والكهرباء بعدد من مناطق الإقليم، محذرا من خطورة استمرار الوضع في ظل ارتفاع درجات الحرارة وأجواء عيد الأضحى.
واعتبر الحزب أن استمرار انقطاع الماء في هذه الظروف “يشكل خطرا على الصحة العامة والكرامة الإنسانية”، محملا الشركة الجهوية متعددة الخدمات مسؤولية الوضع، وداعيا إلى اتخاذ تدابير مستعجلة، من بينها توفير المياه عبر الصهاريج وإصلاح الشبكات المتضررة إلى حين إيجاد حلول دائمة.
بدورها، عبرت الكتابة الإقليمية لحزب العدالة والتنمية بإقليم وزان عن “بالغ قلقها واستنكارها الشديد” لما وصفته بـ”التقصير المتواصل” في خدمات التزويد بالماء الصالح للشرب بعدد من مناطق الإقليم.
وأكد الحزب أن الانقطاعات والاضطرابات المتكررة أثرت بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الطلب على هذه المادة الحيوية، محملا الشركة الجهوية متعددة الخدمات مسؤولية الوضع، ومطالبا إياها بـ”التدخل العاجل والفعال” لضمان انتظام التزويد بالماء والتواصل الجدي مع الساكنة.
المصدر:
العمق