تحت مجهر التحليل وضع باحثون من علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي التحولات البنيوية والظرفية التي طرأت على شعيرة عيد الأضحى واستعداداته بالمجتمع المغربي؛ ما جعلها تتجلى أكثر خلال مناسبة هذا العام (1447هـ – 2026م) في “خفوت مظاهر البهجة والحماسة” لدى معظم الأسر المغربية في استعداداتها لهذه الشعيرة الدينية، مسجلين أنها تسائل وتثير “طبيعة وعمق التحولات الاقتصادية والاجتماعية” الجارية في بنية الأسر المغربية.
من منظور سوسيولوجي، رصد زكرياء أكضيض، باحث في علم الاجتماع بجامعة القاضي عياض، جملة من التحولات أجمَلها في “تسليع المقدس وإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية في عيد الأضحى”.
وقال الباحث عينه، ضمن تصريح لهسبريس، إن “اختبار فرضية تأثير المتغير الاقتصادي على طقس عيد الأضحى ينقُلنا من النظر إليه كممارسة طقوسية معزولة، إلى اعتباره شعيرة دينية ترتبط ارتباطا وثيقا بالشروط المادية ومنطق السوق”، مسجلا في هذا السياق تحولا بنيويا يتجلى في “تسليع المقدس”، حيث لم يعد الكبش مجرد رمز لشعيرة دينية، بل أضحى سلعة خاضعة لمنطق المضاربات والاحتكار الذي يفرضه “الوسطاء والشناقة”.
وأضاف أن “هؤلاء الوسطاء يستغلون ترسخ هذا الطقس المقدس في الوعي الجمعي للمغاربة لتحقيق مكاسب مالية على حساب الفلاح المنتج، مما يذكي جدلا مستمرا حول استثمار البعد الروحي وتوظيفه لرفع الأسعار بشكل غير مبرر”.
على مستوى العلاقات الاجتماعية والأسريّة، ذكر أكضيض أن “الإكراهات الاقتصادية الحالية، وبخاصة الارتفاع الحاد في أسعار الأضاحي، ساهمت بشكل مباشر في إعادة تشكيل الروابط العائلية وتغيير هندستها. فقد فرض هذا الضغط المالي سياسة قسرية لتقليص النفقات، انعكست سلبيا على حركية صِلات الرحم، متمثلة في تراجع الزيارات العائلية المتبادلة والتقليل من الطقوس الجماعية المعتادة”.
كما لوحظ، بحسبه، “تقلص لافت في حضور الولائم والدعوات المشتركة بسبب الكلفة المالية التي باتت تفرضها، مما تسبب في نوع من الانكماش والتقليص للحدود والالتزامات الأسرية التقليدية التي كانت تميز هذه المناسبة”.
في تحليله لأشكال التدين المعاصر، أوضح الباحث السوسيولوجي أن شعيرة أضحية العيد باتت تفصح عن “تدين مظهري” يحيل على الانتماء الطبقي والاجتماعي أكثر مما يعكس القيمة الروحية أو التعبدية الداخلية للطقس، شارحا: “الكبش، من حيث حجمه ونوعيته، تحول إلى أداة سوسيولوجية للتعبير عن التراتبيات والمكانة الاجتماعية داخل البنية المجتمعية؛ إذ يُستخدم كوسيلة للمقايسة الطبقية وإظهار النفوذ المالي. هذا التحول قاد الطقس الديني ليصبح رهانا لإبراز الفوارق الطبقية، ويعيد إنتاج التمايزات الاجتماعية علانية وبشكل مادي في الفضاء العام”.
وخلص أكضيض إلى أن “المناخ الاحتفالي والزمن الجماعي المرتبط بالعيد شهدا انكماشا ملحوظا تحت وطأة العامل الاقتصادي”، متفقا على أن “التكلفة لم تعد مقتصرة على شراء الأضحية فحسب، بل شملت مصاريف الرعاية واللوازم المصاحبة لها”.
وختم مستنتجا أن “هذا العبء المادي دفع بالعديد من الأسر إلى تقليص الأيام الاحتفالية، وطغيان خطاب العبء الاقتصادي على أجواء العيد. وتفتح هذه التحولات الباب مستقبلا أمام تغيرات قيمية جديدة، قد تدفع الأفراد إلى البحث عن مبررات دينية واجتماعية بديلة للتحلل من هذا الإكراه الاجتماعي والاندماج في وضع جديد، مما يُثبت أن العيد بات يتحرك وفق منطق اقتصادي حاسم يفرض شروطه على وعي الأفراد وسلوكياتهم”.
بشرى المرابطي، اختصاصية نفسية باحثة في علم النفس الاجتماعي، غاصت في الأبعاد التشخيصية والبنيوية لتفسيرات وتحولات عيد الأضحى في المجتمع المغربي، خاصة هذه السنة، قائلة إنه “يمكن تفسير خفوت الحماسة الجماعية المعتادة لمناسبة عيد الأضحى هذا العام بوجود حالة حادة من الضغط النفسي والاجتماعي المرتبط أساسا بالوضع الاقتصادي، ولا سيما الارتفاع المهول لأسعار الأضاحي الذي تجاوز القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المجتمع، بما فيها الطبقة المتوسطة”.
وقد خلّف هذا الوضع، وفق المرابطي مصرحة لهسبريس، “نوعا من الإحباط الجمعي الصادم”؛ نظرا “لعدم تحقق انتظارات الأسر المغربية التي بَنَت آمالا كبيرة على تراجع الأسعار وتحسّن العرض في ظل التساقطات المطرية الغزيرة وتحسن وضع الكلأ والماشية، وخاصة بعد الخطاب الحكومي والتصريحات الرسمية التي رُوّج لها في البرلمان حول دعم القطاع وضبط السوق، ليتفاجأ المواطن بواقع مغاير تماما أدخله في صدمة نفسية وخيبة أمل عميقة”، بتوصيف سيكولوجي خالص.
وقالت إن “هذه الصدمة لم تقف عند حدود إضعاف القدرة الاستهلاكية للمواطنين فحسب، بل امتدت لتلقي بظلالها على “المزاج العام”، حيث تحول الحديث اليومي في مقرات العمل وداخل الأسر وفي الأسواق ومنصات التواصل الاجتماعي إلى فضاء مفتوح لتبادل القلق، والتذمر، والشعور بالعجز”.
كما يتعاظم هذا الإحساس بالعجز النفسي والاجتماعي بشكل خاص لدى الآباء العاجزين عن تلبية رغبات أفراد أسرهم، لا سيما الأطفال والشيوخ المتشبثين بالطقس الديني، مما خلق حالة من “العدوى الانفعالية الجماعية” التي تسببت في تراجع تدريجي لجميع مؤشرات البهجة والفرح التي كانت تسبق العيد عادة.
أمام هذه الحيثيات، استرسلت الباحثة في علم النفس الاجتماعي مؤكدة أن “الأفراد يعيشون توترا نفسيا حادا يمزقهم بين ضرورة التشبث بالطقس والشعيرة الدينية نيلا لرضا الله عز وجل، وبين الإكراهات الواقعية الصعبة”. وهذا التنازع “عمّق خيبة الألم” لدى المواطنين وانعكس في صورة إحباط عام يمس “الأمن الروحي” للمجتمع، وهو الأمر الذي يستدعي مناشدة المسؤولين لضبط الأسعار حماية لهذا الاستقرار الروحي.
ونبهت المرابطي إلى أن “استمرار هذا التوتر بين حتمية الشعيرة وضغط الواقع قد يحدث هزات نفسية واجتماعية لا تُحمد عقباها، ويهدد الأمن الروحي الذي حرص المغرب دائما على صونه”.
وفي الأبعاد البنيوية العميقة، فإن تحول المزاج الجماعي المرصود هذا العام قد يتحول مستقبلا إلى “عامل مؤثر يعيد تشكيل القيم الاجتماعية والروابط الأسرية؛ ذلك أن عيد الأضحى في المغرب لا يؤدي وظيفة دينية فحسب، بل يحمل حمولة رمزية واجتماعية ناظمة للذاكرة المشتركة”.
وبحسب الاختصاصية النفسية ذاتها، فـ”حينما تصبح تكلفة هذا الطقس تفُوق القدرة الشرائية، فإن ذلك سيخلق تحولات نفسية عميقة في تمثلات الأفراد للاستهلاك والنجاح، وقد نشهد مستقبلا تراجعا لمركزية العيد في اللاوعي الجمعي لصالح استهلاك براغماتي معقلن يعيد ترتيب الأولويات المعيشية”.
كما قد تتأثر، وفق تقديرها، العلاقات الأسرية وتظهر أنماط جديدة من التضامن كـ”التشارك في الأضحية أو التخلي عن الذبح، وهو ما سيغير حتما مفهوم التنشئة الاجتماعية للأجيال الصاعدة التي قد تكبر بتصورات مختلفة وأقل ارتباطا بالطقوس الدينية، مما يشكل التحول الأكبر في بنية المجتمع”.
المصدر:
هسبريس