استغلت الجزائر احتفال وزارة خارجيتها بـ”يوم إفريقيا”، المتزامن مع الذكرى الثالثة والستين لتأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، لتوجيه رسائل سياسية مرتبطة بنزاع الصحراء المغربية؛ وذلك خلال مراسم رسمية احتضنتها العاصمة الجزائر بحضور وزير الخارجية أحمد عطاف، ورئيس برلمان عموم إفريقيا، وأعضاء بالحكومة الجزائرية، إلى جانب دبلوماسيين أفارقة معتمدين لدى الجزائر.
ولم يقتصر خطاب وزير الخارجية الجزائري على القضايا الإفريقية والتنموية المرتبطة بشعار المناسبة؛ بل خصص حيزا مهما للحديث عن النزاع المفتعل، مجددا طرح الموقف الجزائري الداعم لجبهة “البوليساريو” الانفصالية، في مقابل تجاهل التحولات التي يشهدها الملف على المستوى الدولي، خاصة تنامي الدعم لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب لتسوية النزاع تحت السيادة المغربية.
وحاول أحمد عطاف، خلال كلمته، التقليل من دلالات قرارات مجلس الأمن الأخيرة، عبر اختزال مسار التسوية الأممي في مفهوم “تقرير المصير” والمفاوضات المباشرة بين المغرب وجبهة “البوليساريو”، قائلا إن “التطورات الأخيرة التي شهدها هذا الملف تتماهى مع ما طالبت به الجزائر طيلة العقود الخمسة الماضية والمتمثل في حتمية تنظيم مفاوضات مباشرة بين طرفي النزاع المملكة المغربية وجبهة “البوليساريو””، لافتا إلى أن المسار التفاوضي الذي أطلق مطلع السنة الجارية تحت إشراف مشترك من الأمم المتحدة والولايات المتحدة “يؤكد رجاحة الطرح الجزائري”.
وفي السياق ذاته، سعى رئيس الدبلوماسية الجزائرية إلى نفي صفة الطرف المباشر عن بلاده في النزاع، عندما قال إن الجزائر “تشارك مثلها مثل موريتانيا الشقيقة بصفتها بلدا مجاورا وطرفا ملاحظا في المسار السياسي”، في موقف يعاكس القراءة المغربية التي تعتبر الجزائر طرفا أساسيا في النزاع؛ بالنظر إلى دعمها السياسي والدبلوماسي والمالي والعسكري لجبهة البوليساريو، فضلا عن احتضانها مخيمات تندوف فوق أراضيها.
وختم أحمد عطاف كلمته بالتعبير عن تطلع الجزائر إلى أن تفضي “المفاوضات المباشرة بين طرفي النزاع” إلى حل “عادل ودائم ونهائي” يكفل، حسب تعبيره، “حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره”، مستندا إلى قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة؛ بما فيها القرار 2770.
قال عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش”، إن الجزائر “ما تنفك تبحث عن خوض مغامرات جديدة لاستغلال المناسبات القارية ذات الثقل الرمزي”، مشيرا إلى أن السلطات الجزائرية أطلقت، منذ ماي 2026، “استراتيجية واضحة تتوخى استلزام المناسبات الإفريقية، وفي مقدمتها يوم إفريقيا، وتحويلها من فضاء للتعاون الجماعي إلى منصة لتصريف أجندات دبلوماسية مناوئة للإجماع الدولي حول ملف الصحراء المغربية”.
وأضاف الكاين، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن الحشد الذي قاده وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، مستندا إلى حضور رئيس البرلمان الإفريقي، “شكل هجوما دبلوماسيا خلفيا يستهدف تقويض المسار الأممي الجديد الذي أرسته الأمم المتحدة والمنتظم الدولي”، مشيرا إلى أن الجزائر تسعى إلى “الالتفاف على التحولات الجوهرية التي طبعت الملف سياسيا وحقوقيا”.
وأكد المهتم بنزاع الصحراء أن السلوك الجزائري “يعكس نية مبيتة لمعاكسة الإرادة الدولية الجماعية الرامية إلى التوصل إلى حل يحظى بمقبولية التنفيذ والانسجام مع قواعد القانون الدولي”، مبرزا أن قرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر في أكتوبر 2025، “كرس تحولا قانونيا مهما”؛ غير أن “البناء الخطابي الجزائري الجديد حاول تقزيم هذا الإنجاز عبر حصر النزاع في ثنائية تفاوضية شكلية تتنكر لواقع المسؤوليات الإقليمية”.
ولفت الكاتب العام لتحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية إلى أن صناع القرار في الجزائر “يجدون صعوبة واضحة في التكيف مع واقعية المبادرة المغربية للحكم الذاتي”. لذلك، “يعمدون إلى البحث عن مسارات بديلة خارج إطار الشرعية الدولية بهدف فرملة الزخم الدبلوماسي المتصاعد لفائدة الوحدة الترابية للمملكة”، موردا أن التحركات الجزائرية “توحي بمحاولة فرض طوق عازل حول الدبلوماسية الإفريقية في علاقتها بالتطورات الإيجابية التي يعرفها الملف”.
وبخصوص العودة إلى خطاب “تصفية الاستعمار”، أوضح الكاين أن الجزائر “تحاول إعادة إنتاج سرديات تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، في تجاهل واضح لخمسين سنة من التحولات الميدانية والجيوسياسية”، مضيفا أن “التشبث بهذه الخطابات المتآكلة يهدف إلى صناعة ساتر إيديولوجي يحجب الأدوار البنيوية للجزائر كطرف محرض وممول وأصيل في النزاع”.
وتابع قائلا: “إن توظيف المفردات التاريخية لم يعد قادرا على إخفاء واقع استمرار بؤرة التوتر في تندوف، ولا على تبرير حالة الاستثناء الحقوقي المفروضة فوق التراب الجزائري بعيدا عن آليات الرقابة الأممية”، مشددا على أن الجزائر “تسعى، من خلال هذه المناسبات، إلى تكريس صورة الدولة الملاحظ، هربا من التزاماتها القانونية والسياسية كدولة مضيفة تتحمل مسؤولية مباشرة في إطالة أمد النزاع”.
وأورد المصرح لهسبريس أن الهدف الأساسي من تنظيم هذه الفعاليات “يتمثل في محاولة تحقيق اختطاف رمزي للمؤسسات القارية، بما يحصن الدولة الجزائرية من استحقاقات المساءلة الدولية التي يفرضها الانتقال نحو الحل السياسي النهائي”، مضيفا أن هذا التوجه “يعكس حالة ارتباك واضحة أمام تنامي القناعة الدولية بواقعية الطرح المغربي ومصداقيته”.
وخلص عبد الوهاب الكاين إلى أن “الإصرار على مخاطبة القارة الإفريقية بلغة الماضي الملغومة يمثل محاولة لتشييد خندق دبلوماسي أخير أمام التحولات الدولية المتسارعة”، محذرا من أن “استمرار توظيف المؤسسات الإفريقية لخدمة نزاعات مفتعلة من شأنه أن يرهن مستقبل التكامل القاري ويضع استقلالية هذه المؤسسات أمام اختبار حقيقي”.
سجلت مينة لغزال، منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، أن الدينامية التي انتهجتها الدبلوماسية الجزائرية خلال تخليد “يوم إفريقيا” تعكس “توظيفا أداتيا صريحا للمنصات التذكارية القارية”، بغرض “هندسة عزلة رمزية تعاكس المسار المعياري الدولي حول ملف الصحراء”، معتبرة أن الجزائر تدفع نحو “تحويل الفضاء الإفريقي المخصص لتعزيز الاندماج والوحدة إلى آلية لحقن الأجندات الانفصالية داخل المؤسسات القارية”.
وأضافت لغزال، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن هذا “الانزياح الوظيفي لا يمثل خروجا عن إجماع أديس أبابا؛ بل ارتدادا عن أولويات القارة الراهنة المرتبطة بالتجارة الحرة والأمن الجماعي”، مشيرة إلى أن الأمر يتعلق بـ”نزوعات جيوسياسية جزائرية محضة ترهن مبادئ الحياد الإيجابي والتوافق القاري لمنطق الاستقطاب الإيديولوجي”.
وأكدت منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية أن الخطاب الدبلوماسي المعتمد من لدن الجزائر “يكشف سعيا راديكاليا إلى التملص من واجب توخي الفعالية الذي أرساه قرار مجلس الأمن رقم 2797″، مشيرة إلى أن هذا القرار “أحدث قطيعة مع المقاربات التقليدية عبر مأسسة مبادرة الحكم الذاتي كإطار حصري وواقعي للتسوية”.
وأضافت الناشطة الحقوقية أن محاولة جعل هذا التحول القانوني “دون أثر عملي تعكس حالة من اليأس السياسي لدى صناع القرار في الجزائر”.
وبخصوص العودة إلى طرح آليات الاستفتاء، أوردت المتحدثة عينها أن الجزائر “تستدعي ميكانيزمات إجرائية تجاوزها العرف الدولي المستقر داخل الأمم المتحدة منذ عقدين”، مشددة على أن هذا التوجه “يضعها في حالة تأهب صدامي يتنكر لمبدأ سمو قرارات مجلس الأمن الدولي”، ويحاول “رهن الشرعية الدولية لسرديات متآكلة تفتقر إلى الحد الأدنى من القابلية للتنفيذ الميداني”.
وعن استراتيجية الدفع نحو “المفاوضات المباشرة”، ذكرت لغزال أن هذا الطرح يتوخى خلق حاجز وقائي لتقويض مسار الموائد المستديرة الذي يكرس الجزائر كطرف أصيل ذي مسؤولية تبعية، موضحة أن الغاية من ذلك هي “التحلل من مقتضيات مسؤولية الدولة المضيفة عن الأفعال غير المشروعة المنطلقة من إقليمها السيادي”.
واسترسلت المتحدثة في القول إن “محاولة حصر النزاع في حيز ثنائي تمثل هندسة دقيقة للحصانة السيادية بالوكالة، تروم درء المساءلة الجنائية والمدنية الدولية عن دور الجزائر في تسليح وتمويل فاعل من غير الدول”، مؤكدة أن هذا السلوك “يصطدم بالقواعد الآمرة للقانون الدولي التي تمنع استخدام الإقليم لزعزعة استقرار الدول المجاورة”.
كما اعتبرت أن التحركات الجزائرية تكشف “محاولة لاختراق أجهزة الاتحاد الإفريقي، خاصة البرلمان الإفريقي، وتحويله إلى أداة ضغط مؤسساتي مُوازٍ”.
وأنهت مينة لغزال حديثها بأن الإحاطات الأممية الأخيرة لسنة 2026 “رسخت تشخيصا واضحا يعتبر الانخراط الجزائري الصادق شرطا سياديا لا غنى عنه لإنجاح المسار السياسي”، مشددة على أن ما تقوم به الجزائر حاليا “لا يعدو كونه مناورات عبثية لمقاومة واقع جيوسياسي واقتصادي متغير”، وأن “استعادة صدقية المؤسسات الإفريقية تقتضي مواءمة خطابها مع منطق الحل الذي أقره مجلس الأمن، وإنهاء حالة التيه القانوني والحقوقي بمخيمات تندوف”.
المصدر:
هسبريس