هبة بريس – شفيق عنوري
ساعات قليلة بعد هبوط الملك خوان كارلوس وعقيلته الملكة صوفيا يوم 5 نونبر 2007 في مدينة سبتة المحتلّة، انطلقت جلسة استثنائية في مجلس النواب المغربي، عرفت كلمة شديدة اللهجة للوزير الأول وقتها، عباس الفاسي، ومداخلات بالأسلوب نفسه من رؤساء الفرق والمجموعات النيابية، قبل أن تنتهي ببيان إدانة.
الجلسة التي انطلقت عصر يوم الاثنين 5 نونبر، مرّ عليها ما يقرب من 19 سنة، دَوّنت تفاصيل واحدة من أسوأ الأزمات الدبلوماسية التي اندلعت بين المغرب وإسبانيا، إثر زيارة الملك خوان كارلوس إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين. رغم المدة الطويلة التي مضت على انعقادها، ما تزال مجريات الجلسة مكتوبة داخل المحضر؛ الذي يعتبر من أهم الوثائق التي ينتجها البرلمان.
المحضر ليس مجرد وثيقة تحفظ في أرشيف، بل هو مرآة صادقة للدولة والمجتمع، تعكس ما يشغل المواطنين، وما يُقلق السياسيين، وما تتصارع حوله قوى المصالح والمواقف. ففيها تجد أسماء أزمات ومشاكل وتحديات؛ دولية، دبلوماسية، سياسية، اجتماعية، اقتصادية أو حتى صحية، بعضها مرّ وانقضى، أو حُلّ وانتهى، وأخرى بقيت واستفحلت أو ظلت واحتُويت.
مبنى البرلمان، مقر مجلس النواب
تُكتب آلافٌ من صفحات محاضر الجلسات العامة في كل دورة تشريعية، لكنها نادراً ما تُقرأ. والحال أن فيها ما هو أبعد من كونها مجرد سجلّ، فهي توثّق تحوّلات الرأي العام، وكيف تأخرت قوانين حيوية لسنوات، وطريقة انتصار ضغوط المجتمع في لحظات لا يتذكرها أحد، والآليات التي واجهت بها الدولة أزماتها الداخلية والخارجية، بحزم وقوة تارة، وبمرونة في أخرى.
في هذا الملفّ، نقترب من محاضر الجلسات العامة بوصفها مواداً خاماً للتأريخ لا كأدوات بيروقراطية، مستعرضين بعض ما تختزنه من قصص وصراعات وتحولات، مع التطرق لآراء الخبراء فيها، بهدف الدعوة إلى قراءة مختلفة للبرلمان، لا من خلال النص الذي يُصدره في نهاية المطاف، بل من خلال الحوار المطوّل والمتشعّب الذي سبقه، وهو الحوار الأقرب في التعبير عن موقف الدولة ونبض المجتمع.
مبنى البرلمان، مقر مجلس المستشارين
البرلمان.. ذاكرة الدولة
إلى جانب دورها في سن القوانين، تعتبر المؤسسة التشريعية جهاز تسجيل اجتماعي يعمل باستمرار، حتى حين لا يقصد ذلك، فمناقشة إشكاليات المنظومة الصحية أو التعليمية، والتطرق لمشاكل الطرقات في جبال الريف والأطلس، هي في الوقت نفسه تأريخ لمرحلة بعينها، تمكّن من متابعة مدى تطور المجتمع والدولة عبر الزمن.
إن سؤال برلماني (نائب أو مستشار) عن تعطل أجهزة بالمستشفى الإقليمي بتطوان، أو غياب الأطباء بمستشفى القرب بتارجيست، أو عن انقطاع مياه الشرب في أحياء مدينة تيفلت، أو عن ارتفاع نسبة الهدر المدرسي في قرى جهة درعة تافيلالت، لا يندرج ضمن ممارسة الرقابة فحسب، بل يُدوّن واقعة بتاريخها ومكانها وسياقها، ويحفظ للأجيال القادمة صورة حية عن إشكاليات الدولة والمجتمع وقتها.
تكرار السؤال، بعد سنوات، على لسان البرلماني نفسه أو برلماني آخر عن المنطقة ذاتها، لا يتحول فقط إلى دليل على استمرار العجز، بل إلى وثيقة تاريخية تكشف عمق الأزمة وتجذرها. وحين يتطور السؤال من المطالبة بمستشفى للقرب إلى الدعوة لتوفير الأجهزة الطبية أو الأطر الصحية، فإن ذلك يعكس انتقال الإشكال من غياب البنية التحتية إلى اختلال شروط التشغيل والخدمات. وهكذا يغدو الأرشيف البرلماني مرآة لمسار الدولة برمّته، ومادة خام لا غنى عنها لكل باحث في التاريخ السياسي والاجتماعي للمغرب.
وفي هذا السياق، يقول عبد الرحيم المنار اسليمي، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأكدال الرباط، إن “الأرشيف هو ذاكرة البرلمانات، إذ إن البرلمان المغربي عاش محطات كثيرة، والأرشيف الذي يشتغل عليه الباحثون والمؤرخون، يمكن من فهم الصراع السياسي في البلد”، موضحاً أن العودة إلى “أرشيف البرلمان، يساعدنا على فهم كيفية اشتغال البرلماني، وكيفية قيامه بعملية التمثيلية السياسية للمواطنين”.
وقدّم اسليمي في تصريح لجريدة “هبة بريس” مثالا بـ”مرحلة السبعينيات والثمانينيات وبداية التسعينيات، والتي كانت غنية جداً إذ كان هناك صراع بين المعارضة والأغلبية، والمعارضة والحكومة خاصة”، وذلك خلال حقبة “الأحزاب الوطنية، وأقصد هنا بالخصوص حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، متابعاً “يمكن أن نعود في التاريخ ونقرأ ونحلل مداخلات علي يعته؛ حزب التقدم والاشتراكية، ومحمد بن سعيد آيت يدر؛ منظمة العمل، وفتح الله أولعلو، ومحمد اليازغي”.
صور من فضاء الذاكرة البرلمانية بمجلس النواب
ونبه اسليمي إلى أن العودة إلى هذه المداخلات، تمكن من “قراءة السياسي في المغرب، والبرلماني وقتها، إضافة إلى قراءة الأوضاع السياسية في البلاد آنذاك، وكيف كانت تبنى التوافقات”، متابعاً أن “هذا الجانب التاريخي، يبرز القيمة العلمية” للأرشيف البرلماني بالنسبة للباحثين. كما أن هناك، حسب الأستاذ الجامعي نفسه، “جانب التوثيق، لأن البرلمان هو ذاكرة، والبرلمانات في العالم هي ذاكرة الدولة”.
وأردف اسليمي في تصريحه لـ”هبة بريس” أن البرلمان البريطاني، مثلا، يضم داخله فضاءً به “اللباس الذي ارتداه البرلمانيون في السابق، والتقاليد التي ما زالت حاضرة على مستوى اللباس”، مبرزاً أن “هناك متاحف أيضا في بعض برلمانات دول العالم، وهذا ما يجب أن يكون في المغرب، من أجل حفظ الذاكرة البرلمانية”.
جلسة عامة بمجلس النواب
ما الذي تُخزنه محاضر الجلسات العامة؟
يتضمن نص محاضر الجلسات العامة بمجلسي النواب والمستشارين، تاريخ انعقاد الجلسة، ورئيسها، وتوقيت انطلاقها إضافة إلى مدة استمرارها، وجدول أعمالها، إلى جانب ما قاله جميع المتدخلين، من رئيس الجلسة، والنواب أو المستشارين، إضافة إلى ردود رئيس الحكومة (الوزير الأول سابق) أو الوزراء.
وفي هذا الصدد، نعود إلى محضر جلسة مجلس النواب المنعقدة بتاريخ 5 نونبر 2007، الموجود على البوابة الرسمية لمجلس النواب، وهي الجلسة التي ترأسها مصطفى المنصوري، رئيس مجلس النواب وقتها، وتضمنت تدخلات رؤساء الفرق والمجموعات النيابية بخصوص تداعيات زيارة العاهل الإسباني لمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين.
محضر الجلسة العامة بمجلس النواب بتاريخ 5 نونبر 2007
بعد افتتاح الجلسة التي امتدت لساعتين بداية من الرابعة و45 دقيقة بعد الزوال، استعرض عباس الفاسي، الوزير الأول وقتها، موقف المغرب من مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، وتداعيات زيارة الملك خوان كارلوس لهذين الثغرين، والتي وصفها بـ”المرفوضة وغير اللائقة والمستفزة لمشاعر الشعب المغربي قاطبة، والتي لن تغير شيئا من الواقع الذي يجسد في الانتماء التاريخي والجغرافي والقانوني للمدينتين والجزر المتوسطية للمغرب، وفي حق بلادنا الثابت والمشروع وغير القابل للتصرف في استعادة هذه الأراضي”.
وإثر ذلك شرع رؤساء الفرق والمجموعات النيابية في مناقشة الموضوع، ابتداءً من لطيفة بناني سميرس رئيسة الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، ومروراً بمصطفى الرميد رئيس فريق العدالة والتنمية، ثم سعيد أمسكان رئيس الفريق الحركي، وعبد العزيز الحافظي العلوي رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، وأحمد الزايدي رئيس الفريق الاشتراكي، ونجيب الوزاني رئيس فريق الأصالة والمعاصرة، والشاوي بلعسال رئيس الفريق الدستوري، ومحمد بنعطية عن فريق تحالف القوى التقدمية الديمقراطية، والمختار الراشدي عن مجموعة اليسار الديمقراطي، واختتاماً بمصطفى آيت بنعلي، عن مجموعة الحزب العمالي.
أقدم محضر جلسة عامة يمكن العودة إليه في الأرشيف الرقمي بموقع مجلس النواب
واختتمت الجلسة العامة بكلمة لشفيق رشادي أمين المجلس، قبل أن تنتهي ببيان لمجلس النواب، حول “تفاعلات الخطوة الاستفزازية” المتمثلة في زيارة العاهل الإسباني لسبتة ومليلية المحتلتين، أدان فيه “بقوة” هذه الزيارة “الاستفزازية”، وثمن “استدعاء الملك للسفير المغربي في مدريد، وكافة المبادرات الشعبية والحكومية الرافضة لهذه الخطوة”.
كما اعتبر أن هذه الخطوة مناهضة للطموح المشروع للشعب المغربي المتطلع لتصفية الإرث الاستعماري وبناء شراكة مستقبلية بين المغرب وإسبانيا قوامها “التعاون وحسن الجوار”، داعياً إلى “فتح حوار إسباني مغربي جاد ومسؤول من أجل التوصل إلى الطي النهائي لصفحة الاستعمار الإسباني للأراضي المغربية والتوجه نحو المستقبل بعيداً عن الحسابات السياسية الداخلية الضيقة على أسس التعاون والاحترام المتبادل بين البلدين الجارين الصديقين”.
وفي هذا الإطار، أكدت مريم ابليل، الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، وصاحبة كتاب “البرلمان المنفتح”، أن “محاضر الجلسات العامة تعد أهم أدوات التوثيق داخل البرلمان، لأنها لا تحفظ فقط مجريات النقاشات التشريعية والرقابية، بل توثق أيضا جزءاً من الذاكرة السياسية والدستورية للمغرب”، موضحةً أن محاضر الجلسات العامة، “تشكل أرشيفا رسميا يمكن من تتبع مواقف الفاعلين السياسيين، وتطور النقاش العمومي وصناعة القرار التشريعي عبر الزمن”.
الموقع الإلكتروني لمجلس النواب
هذا وأكدت ابليل في تصريح لجريدة “هبة بريس” أن الرهان اليوم “لم يعد فقط في حفظ المحاضر، بل أيضا في كيفية إتاحة المعلومة البرلمانية بشكل سريع ومفتوح، ووفق معايير النشر الاستباقي. هنا تبرز أهمية الرقمنة والمواقع الإلكترونية للمؤسسات البرلمانية”، موضحةً أن “مجلس النواب خطا خطوة مهمة بعد تجديد موقعه سنة 2020 بما ينسجم مع عدد من معايير الاتحاد البرلماني الدولي المتعلقة بالبرلمان الرقمي، بينما ما يزال موقع مجلس المستشارين بحاجة إلى مزيد من التطوير”.
الموقع الإلكتروني لمجلس المستشارين
وأبرزت الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية أن “التوثيق البرلماني لم يعد يقتصر على الوثيقة المكتوبة، بل يشمل أيضا الأرشفة السمعية البصرية، وهو ما يطرح أسئلة مرتبطة بالقناة البرلمانية وبمدى قدرة البرلمان على إنتاج محتوى حديث ومبسط يقرب المؤسسة البرلمانية من المواطنين، ويوفر أرشيفا سمعيا بصريا، مشددةً في المقابل على أن “موضوع اللجان الدائمة يظل مطروحا للنقاش، خاصة في ما يتعلق بالتوازن بين سرية أشغال اللجان وحق المواطنين في الوصول إلى المعلومة البرلمانية”.
إعلان مجلس النواب على هامش جلسة 5 نونبر 2007
محاضر الجلسات العامة.. وثيقة تاريخ وأداة بحث
وإلى جانب أن المحضر هو تجميع للمداخلات، فإنه يؤرخ في الوقت نفسه لتلك المرحلة، ويستعرض تفاصيل واحدة من أكبر الأزمات بين المغرب وإسبانيا، وهو بمثابة وثيقة علمية لكل باحث أو أكاديمي يسعى لمعرفة ما حصل في تلك الفترة، غير أن الإشكال المطروح في هذا الصدد هو غياب أرشيف رقمي كامل لمحاضر الجلسات العامة لمجلس النواب منذ تأسيسه، إذ إن أقصى ما يمكن الوصول إليه في الموقع الإلكتروني هو محضر الجلسة سالفة الذكر المؤرخ بتاريخ 5 نونبر 2007.
أقدم محضر جلسة عامة في الأرشيف الرقمي بموقع مجلس المستشارين
وعلى عكس مجلس النواب، يمكن العودة في الأرشيف الرقمي لمحاضر الجلسات العامة بمجلس المستشارين، إلى جلساته الأولى (باستثناءات قليلة) بعد “التأسيس الثاني” (عقب دستور 7 أكتوبر 1996)، من ضمنها الجلسة الـ 13 المنعقدة بتاريخ 5 ماي 1998، والتي ترأسها محمد جلال السعيد، رئيس مجلس المستشارين، وامتدت لساعتين بداية من الساعة الثالثة والربع بعد الزوال، وكان جدول أعمالها “الأسئلة الشفهية”.
جزء من محضر الجلسة العامة بمجلس المستشارين بتاريخ 5 ماي 1998
وتركزت الأسئلة الأولى في الجلسة حول موضوع “الوحدة الترابية واستفحال العراقيل متعددة المصادر والحملات الإعلامية المعادية”، حيث ناقش المستشارون “الحملة الممنهجة” التي شنتها وسائل الإعلام الجزائرية لـ”النيل من الاستقرار والأمن اللذين ينعم بهما وطننا الحبيب وللإساءة لسمعة المغرب بالخارج”، قبل أن يدلي إدريس البصري، وزير الدولة في الداخلية وقتها، في ختام المناقشة، بكلمة حول الموضوع، تحدث فيها عن أسباب الحملة، إضافة إلى الخطوات العملية التي نفذها المغرب لحل النزاع، عبر “تطبيق المخطط الأممي لهيئة الأمم المتحدة المتعلق بإجراء استفتاء مصيري في الصحراء”.
واستعرض البصري تطورات عملية تحديد الهوية لتسجيل لائحة التصويت، والتي قال إن عدد الأشخاص المنحدرين من الصحراء المغربية وصل إلى 100 ألف وقتها، غير أنه طُلب من المغرب ما يخالف اتفاق الأمم المتحدة وما تم توضيحه في هيوستن، وهو ما رفضه الملك الراحل الحسن الثاني وقتها بشكل حازم في رده الموجه إلى الكاتب العام للأمم المتحدة في 22 مارس 1998، وفق كلمة المسؤول الحكومي المغربي.
جزء من كلمة وزير الدولة في الداخلية في نص محضر الجلسة العامة لمجلس المستشارين بتاريخ 5 ماي 1998
الأسئلة اللاحقة خلال الجلسة تمحورت حول بعض مشاكل الصيد البحري، ومطالب بإصلاح مؤسسة السجون، لتحويلها إلى مؤسسة للتربية، إضافة إلى إصلاح وضعية السجون ككل، ومشاكل بنايات مقرات المحاكم، وأسباب تعثر مشروع الطريق السيار بين “الدار البيضاء، الجرف الأصفر، الجديدة”. كما تضمن المحضر ردود الوزراء وتعقيبات المستشارين.
وسجل محضر هذه الجلسة العامة، أهم المشاكل التي كانت تشغل بال الرأي العام الوطني خلال بداية شهر ماي 1998، بداية بقضية الوحدة الترابية للمغرب، والتي يستعرض المحضر آخر أيام مقترح الاستفتاء لحل النزاع، قبل أن تتبين استحالة تطبيقه بسبب الخلافات الجوهرية حول الهيئة الناخبة، إلى جانب المشاكل اليومية للمغاربة؛ مثل الطرق السيارة وبنيات مقرات المحاكم، والتحديات التي تواجه قطاعات اقتصادية رئيسية مثل قطاع الصيد البحري.
مقتطفات من الأسئلة غير المرتبطة بقضية الصحراء المغربية التي شهدتها جلسة 5 ماي 1998
وضمن هذا السياق، أكد عبد الرحيم المنار اسليمي، على الأهمية العلمية لمحاضر الجلسات العامة بمجلسي النواب والمستشارين، مطالبا الباحثين بـ”الاشتغال عليها، لأنها تمكن من قراءة التاريخ السياسي للمغرب، وهي مادة لأي بحث”، مشيراً إلى أن “البحوث تتطلب مواد أولية، لأن الكتابة عن البرلمان لا تعتمد على الفراغ”، ومن الضروري أن تكون هناك مادة للبحث.
كما نبه الخبير في القانون الدستوري والعلوم السياسية نفسه، في تصريحه، إلى أن الكتابة عن البرلمانات ممكنة أيضا “من خلال النقاشات والنزاعات الانتخابية أمام الغرفة الدستورية أو المجلس الدستوري في إحدى المراحل”، و”يمكن الكتابة عن البرلماني والبرلمان المغربيين”.
وشدد اسليمي في سياق ذي صلة على أهمية “الهندسة المعمارية لمبنى البرلمان أيضا، مبرزاً أن “البرلمان يجب أن يُبقي على هندسة البناية نفسها، والاكتفاء بالتغييرات داخل الهندسة ذاتها”، منبهاً إلى “أن بعض الدراسات الأنثروبولوجية تطرقت حتى للألوان داخل البرلمان”.
جلسة عامة بمجلس المستشارين
محضر الجلسة العامة وحدود التوثيق
ورغم النقاشات التي سجلها محضر الجلسة سالفة الذكر، فالكثير مما يقال خلال الجلسة العامة سواء في مجلس النواب أو المستشارين، لا يجد طريقه نحو هذه الوثيقة، وذلك لعدة أسباب يؤطرها النظام الداخلي لكل غرفة، ويحدها إطار “ما يدخل ضمن الأشغال”، لا “ما يقع خارجها”.
وفي هذا السياق قال محمد صباري، النائب البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يشغل منصب النائب الأول لرئيس مجلس النواب، إن محاضر الجلسات العامة “تؤطرها مقتضيات النظام الداخلي لمجلس النواب، خاصة المواد 164 و165 و166 المتعلقة بتناول الكلمة وضبط الجلسة، والمواد 170 إلى 174 المتعلقة بالتصويت، ثم المادة 176 التي تنص صراحة على إعداد محاضر مناقشات الجلسات العامة تحت إشراف أمناء المجلس، مع الاستعانة بالتكنولوجيات الحديثة والوسائل السمعية البصرية”.
مشادات ونقاشات حادة خلال جلسة عامة بمجلس النواب
وبخصوص التجربة البرلمانية المغربية، يوضح صباري، في تصريح خص به جريدة “هبة بريس”، أن “المعيار المعتمد بهذا الخصوص لا ينبغي أن يكون بخلفيات سياسية بقدر ما يجب أن يكون قائما على التمييز بين ما يدخل ضمن الأشغال النظامية للجلسة وما يقع خارجها”.
وأوضح أن “كل تدخل تم في إطار الكلمة المأذون بها وضمن احترام الموضوع والمدة الزمنية المحدّدة تحت إشراف الرئاسة، لا شكّ أنه يدخل ضمن الأشغال القابلة للتدوين والتوثيق، وأما المقاطعات العشوائية، أو الكلام غير المأذون به، أو الخارج عن الموضوع، أو الحالات التي تستوجب تدخل الرئيس لضبط الجلسة وفق المادة 165، فأظن أنها لا تكتسب بالضرورة نفس الطبيعة التوثيقية داخل المحضر الرسمي”.
وتابع أن “الممارسة البرلمانية في بلادنا كما في مختلف الديمقراطيات، تتأثر سلبا وإيجابا بالمناخ السياسي العام، وبمستوى التأطير الحزبي والثقافة المؤسساتية السائدة داخل المؤسسة التشريعية، ولهذا نجد أن النصوص وحدها لا تكفي، بل إن جودة الممارسة تبقى مرتبطة أيضا بمدى احترام الفاعلين السياسيين لأعراف العمل البرلماني وروحه”.
حوارات جانبية على هامش جلسة عامة بمجلس النواب
وذكَرَ صباري أن الممارسة البرلمانية، في تقديره، “تقوم أساسا على التراكم والتطوير المستمر، والنظام الداخلي نفسه يظل ورشا مؤسساتيا مفتوحا يمكن في كل مرحلة تدارك بعض جوانب النقص أو الغموض فيه من خلال مقتضيات جديدة متى ظهرت الدواعي العملية لذلك”.
وخلص إلى أن “البرلمان المغربي راكم خلال السنوات الأخيرة تجربة مهمة مع الاستفادة من عدد من الممارسات الفضلى المعمول بها في الديمقراطيات البرلمانية المقارنة، لكن دائما بما ينسجم مع الخصوصية الدستورية والسياسية والمؤسساتية للمغرب، وليس بمنطق النقل الحرفي للتجارب الأجنبية”.
رقمنة العمل البرلماني.. تطوّر متواصل
وبالنظر إلى الأهمية العلمية والتاريخية والتوثيقية لمحاضر الجلسات العامة، يبرز موضوع الرقمنة، باعتباره مدخلاً هاماً لتطوير العمل البرلماني، وتقريبه من المواطنين، وأيضا لحفظ الأرشيف الورقي من الزوال. وفي هذا الصدد يوضح عبد العالي بنلياس، أستاذ العلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالسويسي الرباط، أن مجلس النواب انطلق في عملية الرقمنة سنة 2015، في إطار تحديث نظام تدبير الوثائق والأرشفة.
أرشيف الولايات التشريعية السابقة على موقع مجلس النواب
وبيّن بنلياس في تصريح لجريدة “هبة بريس” أن العملية شملت “ما يزيد عن ثلاثة ملايين وثيقة، تغطي مختلف المحطات التاريخية للمؤسسة التشريعية منذ سنة 1956″، مبرزاً أن هذا المشروع شكل “خطوة مهمة نحو الحفاظ على الذاكرة البرلمانية وتسهيل الولوج إلى الوثائق والمعطيات”.
وأردف الجامعي أن عملية الرقمنة، تعرف اليوم “تطورا متواصلا، حيث يرجح أن عدد الوثائق المرقمنة قد تجاوز خمسة ملايين وثيقة”، موضحاً أن المؤسسة البرلمانية انتقلت إلى “مرحلة أكثر تقدما، تتمثل في اعتماد الأرشفة والتدبير الإلكتروني للوثائق بشكل شبه كامل، من خلال منصة رقمية خاصة تعتمدها مختلف الوحدات الإدارية، مما ساهم في تحسين النجاعة الإدارية وتسريع معالجة المعلومات وتداولها”.
وواصل الخبير في العلوم السياسية حديثه بالقول إن “هذه الرقمنة بكل تأكيد تُسهل عملية متابعة أنشطة مجلس النواب التشريعية والرقابية وتقييم السياسات العمومية والدبلوماسية البرلمانية، وكذا مختلف اللقاءات والمؤتمرات التي تقام بالبرلمان”.
أرشيف مراقبة العمل الحكومي على موقع مجلس النواب
ومن جهة ثانية، يوضح بنلياس أن رقمنة تقارير اللّجان البرلمانية ومناقشات الجلسات العامّة واللّجان الموضوعاتية، تشكل “مرجعا ماديا مهما وخزانا كبيرا لمختلف النقاشات السياسية والفكرية للقضايا المختلفة التي تكون موضوع حوار بين مختلف مكونات البرلمان السياسية والحزبية وبين المعارضة والأغلبية وبين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية”.
وأقرّ أستاذ العلوم السياسية بأن “هذه الأرشفة الرقمية تشمل بكل تأكيد مادة دسمة للباحثين والمهتمين لمتابعة مسار تطور التجربة البرلمانية من زوايا مختلفة من زاوية الأداء والنجاعة ومن زاوية الخطاب السياسي ومن زاوية قياس مدى نضج التجربة من خلال توالي الولايات التشريعية”.
الرقمنة.. مدخل للشفافية وحفظ الذاكرة الشعبية
رغم المجهودات المبذولة في هذا الصدد، يؤكد أمين سامي، الخبير والمستشار الدولي في مجال الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي، أن الرقمنة لا تقتصر على عملية “المسح الضوئي للوثائق ورفعها على موقع إلكتروني، أو بث مباشر لاجتماعات اللجان أو الجلسات العامة”.
واعتبر سامي في تصريح خص به جريدة “هبة بريس” أن “الرقمنة الفعلية للعمل البرلماني لا تعني فقط تحويل الوثائق الورقية إلى ملفات PDF أو بث الجلسات مباشرة، بل هي الانتقال من برلمان إداري إلى برلمان ذكي قائم على البيانات، والذاكرة المؤسساتية، والتفاعل المجتمعي، والقدرة على إنتاج الثقة العمومية بشكل مستمر”.
الموقع الإلكتروني لبرلمان المملكة المغربية
وبالتالي، يوضح الخبير أن “الرقمنة الحقيقية تبدأ عندما يصبح البرلمان منصة دينامية لإنتاج المعرفة العمومية، وليس فقط فضاءً لصناعة القوانين. وبالتالي ننتقل من منطق أرشفة المعلومة إلى منطق هندسة القرار العمومي المفتوح”.
ولفت سامي الانتباه إلى أن العالم يتجه اليوم نحو “البرلمان الخوارزمي أو البرلمان المعزز بالذكاء الاصطناعي، حيث ستصبح المعطيات، ومؤشرات الأثر، وتحليل التصويت، وتتبع تنفيذ القوانين، وقياس التفاعل المجتمعي، جزءًا من البنية اليومية للعمل التشريعي والرقابي”.
وبخصوص هذا الأمر، يؤكد الخبير أن “الرقمنة الفعلية للعمل البرلماني ترتكز على خمسة مستويات مترابطة: أولًا: رقمنة الذاكرة التشريعية؛ أي بناء ذاكرة جماعية وطنية مفتوحة تشمل: جميع القوانين والتعديلات، مداولات اللجان، مواقف الفرق البرلمانية، مسارات التصويت”.
كما يجب أن تشمل هذه الذاكرة المفتوحة، وفق سامي “تقييم أثر السياسات العمومية، والأرشيف السمعي والبصري والمعرفي”، مشيراً في هذا الصدد، إلى أن قيمة “الذاكرة المؤسساتية باعتبارها رأسمال استراتيجي للدولة، تظهر هنا، لأن الدول التي تفقد ذاكرتها المؤسساتية تعيد أخطاءها باستمرار”.
صورة تعبيرية
أما المستوى الثاني، حسب سامي، فيتعلق بـ” رقمنة الشفافية”، لأن “الشفافية لم تعد تعني فقط نشر المعلومات، بل تعني أيضا: قابلية الوصول، وسهولة الفهم، وسرعة التحيين، وإمكانية التتبع والتحليل”.
ويؤكد سامي ذاته أن “الشفافية الرقمية الحقيقية تجعل المواطن قادرًا على معرفة: من صوّت؟ لماذا صوّت؟ ما أثر القانون؟ ما تكلفة القرار؟ ما نسبة التنفيذ؟ من المستفيد ومن المتضرر؟”، وهو ما يعني وفق الخبير نفسه “الانتقال من شفافية إخبارية إلى شفافية تفسيرية وتقييمية”.
الرقمنة العميقة وخلق ذاكرة وطنية مفتوحة للأجيال
وأفاد الخبير في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي أن المستوى الثالث من رقمنة العمل البرلماني، يتعلق بـ” رقمنة المشاركة المدنية”، لأنها “تُحوّل المواطن من متلقٍ سلبي إلى “فاعل تشريعي غير مباشر”.
وذهب إلى أن هذا الأمر سيشكل تحولاً عالميا نحو “الديمقراطية التشاركية الرقمية؛ الاستشارة العمومية الذكية؛ تحليل المزاج المجتمعي؛ المنصات التشريعية المفتوحة؛ الذكاء الجماعي”، منبهاً إلى أن المنصات الرقمية ستصبح هنا “فضاءً لالتقاط الإشارات المجتمعية المبكرة قبل تحولها إلى أزمات اجتماعية أو سياسية”.
أما المستوى الرابع من الرقمنة الفعلية فيرتبط بـ”رقمنة الرقابة البرلمانية”، لأن “الرقابة في المستقبل لن تعتمد فقط على الأسئلة الشفوية، بل على: لوحات قيادة رقمية Dashboard ومؤشرات تنفيذ البرامج، والبيانات المفتوحة، والتحليل التنبئي، والذكاء الاصطناعي، إضافة لتتبع الإنفاق العمومي لحظيًا”.
وهنا أوضح الخبير الاقتصادي والمستشار الدولي في التخطيط الاستراتيجي، أن البرلمان سيتحول تدريجيا إلى “مركز قيادة وتحليل وقياس أثر” وليس فقط مؤسسة نقاش. أما المستوى الخامس فهو “الأمن السيادي الرقمي”.
وبشأن أثر الرقمنة العميقة، يبرز سامي أنها ستحدث أربع تحولات كبرى، هي “إعادة بناء الثقة، ففي كثير من الدول، أزمة الديمقراطية اليوم ليست فقط أزمة تمثيل، بل أزمة ثقة”، منبهاً إلى أن ارتفاع قابلية التتبع والمحاسبة الرقمية، يعني بالضرورة “ارتفاع منسوب الثقة المؤسساتية”.
صورة تعبيرية
ويعني هذا، حسب سامي، “تقليص المسافة بين المواطن والمؤسسة، إذ إنها تُقلص المسافة النفسية والسياسية بين البرلمان والمجتمع، خاصة لدى الشباب”، كما أنها ستساهم، وفق الخبير نفسه، في “رفع جودة القرار العمومي لأن القرار المبني على البيانات والتحليل اللحظي يصبح أقل عرضة للعشوائية والانطباعية”.
وشدد سامي على أهمية خلق ذاكرة وطنية مفتوحة للأجيال، عبر رقمنة العمل البرلماني، لأن “البرلمانات لا تُنتج قوانين فقط، بل تُنتج سردية الدولة وتاريخ التحولات الوطنية”، مسترسلاً: “لكن خلف هذا المسار توجد تحديات يجب العمل على تجاوزها والتغلب عليها”.
ومن ضمن هذه التحديات، حسب الخبير نفسه “الفجوة الرقمية، ضعف الثقافة الرقمية، خطر الشعبوية الرقمية، التضليل المعلوماتي، اختزال النقاش العمومي في التفاعل السريع، وهيمنة الخوارزميات على تشكيل الرأي العام”.
وحذر سامي من خطر تحويل المشاركة إلى “ضجيج رقمي” بدل مساهمة معرفية حقيقية، منبهاً في هذا السياق إلى ما أسماه بـ”الإشارة الضعيفة الأهم”، وهي أن “المستقبل لن يكون صراعًا بين برلمان رقمي وبرلمان تقليدي، بل بين: برلمان ينتج المعنى والثقة والمعرفة وبرلمان يكتفي بإنتاج الوثائق”.
كيف نحول البرلمان إلى عقل مؤسساتي حيّ للدولة والمجتمع؟
وعلى سبيل الاستشراف، يقول أمين سامي إن البرلمانات العالمية تتجه نحو نماذج جديدة، وهي “برلمان البيانات المفتوحة، برلمان الذكاء الاصطناعي، والبرلمانات التنبئية Predictive Parliaments، التوأم الرقمي للمؤسسات، التحليل الفوري للرأي العام، المحاكاة التشريعية الرقمية قبل إصدار القوانين”، وهو ما يعني حسبه، أننا قد نصل مستقبلًا “إلى مرحلة يتم فيها اختبار أثر أي قانون اقتصادي أو اجتماعي عبر نماذج محاكاة رقمية قبل التصويت عليه”.
وأشار سامي إلى أنه “في الحالة المغربية، الرقمنة البرلمانية يمكن أن تتحول إلى رافعة استراتيجية كبرى، إذا تم ربطها بالنموذج التنموي الجديد، ورش الدولة الاجتماعية، الجهوية المتقدمة، الحق في الوصول إلى المعلومات، المغرب الرقمي 2030، الذكاء الاصطناعي السيادي، البيانات المفتوحة، والديمقراطية التشاركية الترابية”، ومتابعاً أن السؤال لم يعد : هل نرقمن البرلمان؟ بل: “كيف نحول البرلمان إلى عقل مؤسساتي حيّ للدولة والمجتمع؟”.
المصدر:
هبة بريس
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة