آخر الأخبار

الناظور.. لقمة عيش مريرة، منجم "بني سيدال لوطا" بين جاذبية الاقتصاد وضريبة التلوث

شارك

هبة بريس – محمد زريوح

لم تعد تفاصيل الحياة اليومية في جماعة “بني سيدال لوطا” بإقليم الناظور هادئة كما كانت، فخلف الستار الترابي الذي يلف المنطقة، ينمو احتقان اجتماعي واضطرام بين السكان. حالة من الاستياء المتصاعد باتت تؤثث مجالس الساكنة المحلية، التي ضاقت ذرعاً بما تصفه بـ “التلوث البيئي المقلق”. هذا التلوث ليس مجرد سحابة صيف عابرة، بل هو نتاج مباشر لأنشطة شركة منجمية حوّلت هدوء المنطقة إلى مصدر قلق مستدام، وسط تعالي الأصوات المطالبة بفتح تحقيق عاجل يضع النقط على الحروف ويرتب المسؤوليات القانونية والأخلاقية.

والشهادات القادمة من قلب الدواوير المتضررة تروي تفاصيل قاسية، فعلميات استخراج واستغلال الثروات المعدنية في الآونة الأخيرة لم تعد تدر أموالاً بقدر ما باتت تنفث غباراً كثيفاً وأتربة خانقة. هذا الزحف الرمادي لم يكتفِ بتلويث جودة الهواء والإخلال بالمنظومة البيئية، بل امتد ليمس أجساداً نحيلة أرهقها الربو والحساسية، لاسيما بين الأطفال الصغار والشيوخ المسنين. ولم تسلم الطبيعة بدورها من هذا الجور، حيث طالت الأضرار المساحات الفلاحية التي تعد شريان الحياة للساكنة، ولوثت المجاري المائية المجاورة التي تحولت إلى قنوات لتصريف التداعيات البيئية للمشروع.

ووفقاً للمعطيات المتواترة من الميدان، فإن هواجس الساكنة تتجاوز ما يُستنشق من هواء لتطال مستقبل الاستقرار بالمنطقة. يتملك الخوف الأهالي من استمرار هذا النشاط المنجمي في ظل غياب، أو تغييب، إجراءات بيئية صارمة وقادرة على كبح جماح التلوث والانبعاثات الضارة. وزاد من عمق هذه المأساة الهياكل الحديدية الضخمة، فالشاحنات الثقيلة التي لا تهدأ حركتها، واصلت دكّ البنية التحتية المتهالكة أصلاً، محوّلة الطرقات والمسالك القروية داخل الدواوير إلى حفر وأخاديد يصعب معها التنقل اليومي.

وأمام هذا الوضع الذي يصفه محليون بالدقيق، لم تقف الفعاليات الجمعوية والحقوقية موقف المتفرج، بل رفعت هذه الإطارات سقف مطالبها، موجهة نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الإقليمية بالناظور، وإلى وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة. ودعت هذه الهيئات إلى ضرورة التدخل الفوري والنزول إلى الميدان لإجراء خبرات تقنية وعلمية محايدة، للوقوف على مدى احترام الشركة للمواصفات والمعايير البيئية المعمول بها وطنيّاً ودوليّاً، مع التأكيد على تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ضد كل من ثبت تورطه في تدمير الصحة العامة أو البيئة المحلية.

وتختزل الساكنة معركتها اليوم في فلسفة بسيطة وعميقة في آن واحد، وهي أنه لا يمكن للتنمية أن تصنع مجدها على حساب جثث البيئة وصحة البشر. يرى الأهالي أن جلب الاستثمارات وإنعاش الاقتصاد المحلي يظلان خطوتين محمودتين، بشرط ألا يتحولا إلى صك على بياض لانتهاك الحقوق الأساسية. المطلب اليوم ليس إيقاف عجلة الاقتصاد، بل إيجاد تلك المعادلة المفقودة والتوازن الحقيقي بين تحقيق الأرباح المادية، وحق الإنسان الدستوري والكوني في العيش داخل محيط بيئي سليم، آمن ومستدام.

ويبقى الملف مفتوحاً على كل الاحتمالات في انتظار تفاعل الجهات الوصية مع هذه المطالب المشروعة. فالأيام القادمة كفيلة بكشف مدى جدية التعاطي الرسمي مع صرخة “بني سيدال لوطا”، وهل ستنتصر لغة القانون وحماية المواطن، أم أن غبار المناجم سيظل يحجب الرؤية ويخنق الأنفاس إلى إشعار آخر.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا