عادت التجاذبات السياسية لتسود بين أطراف الأغلبية الحكومية، عقب الانتقادات التي وجهها نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال (ثالث أحزاب الحكومة)، إلى المضاربين، وإثارته “رغبة” هيئته السياسية في “حماية المواطنين من الفراقشية”.
ردا على تصريحات الوزير بركة، التي جاءت خلال مهرجان خطابي بمناسبة الذكرى 52 لوفاة عباس الفاسي، تساءل راشيد الطالبي العلمي، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار رئيس مجلس النواب: “من المسؤول عن تنظيم التجارة الداخلية في المغرب؟”، مجيبا: “وزارة الصناعة والتجارة”، التي يتولاها حزب الاستقلال.
وتابع العلمي خلال مروره ببرنامج “للحديث بقية” على القناة الأولى المغربية، الخميس، قائلا: “ممكن كيتكلم على راسو”، مضيفا: “كنت وزيرا للصناعة والتجارة، وأعرف كيف يشتغل تنظيم السوق”، معتبرا أن “الاستمرار بمنطق الاشتغال نفسه حينما كان سعر البترول يساوي 8 دولارات، في 2026 حيث وصل السعر إلى 135 دولارا، أعتقد أن هناك خللا”. لكنه شدد على أن “الحكومة منسجمة متضامنة”، بتعبيره.
حفيظ الزهري، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، قال إن “التدافع السياسي بين الأحزاب بشكل عام ينشط كلما اقتربت محطة انتخابية، وهي ظاهرة معهودة في إطار عملية استقطابية للقاعدة الجماهيرية”.
واستدرك الزهري، في تصريح لهسبريس، أن “المثير هو أن هذه الظاهرة بدأت تتموضع بين أحزاب الائتلاف الحكومي الحالي”، مبرزا أن “ذلك يرجع بالأساس إلى تشابك العديد من الملفات التي أثرت على شعبية هذه الأحزاب، سواء تلك الاجتماعية أو الاقتصادية ذات الأثر على القدرة الشرائية للمواطنين”.
وأوضح أن “قيادات بعض الأحزاب تحاول إلصاق أي ملف يمكن أن يؤشر على شعبية هيئاتها السياسية بحزب آخر في الحكومة”.
واعتبر المحلل السياسي ذاته أن تشكل “مواجهة مباشرة بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والاستقلال” إنما “يدل على وجود أزمة سياسية تواصلية داخل التيار الحكومي، خاصة بين قيادات الأغلبية الحكومية التي لم تجتمع منذ مدة”.
وأضاف أن “الكلمات العنيفة بين القيادات الحزبية وإلصاق بعضها البعض بالملفات الشائكة، إشارةٌ واضحة إلى تفاقم الأزمة داخل التحالف الحكومي”، مشددا على أن “هذا يؤثر سلبا على إمكانية ذهاب الأحزاب الثلاثة (الحاكمة) نحو الانتخابات بتحالف، وبالتالي سنكون أمام منافسة قوية خصوصا بين هذه الهيئات السياسية”.
من جانبه، قال رشيد لزرق، أستاذ جامعي رئيس مركز شمال إفريقيا للدراسات، إن “التجاذب داخل الأغلبية بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال لا يعكس فقط خلافا حول موضوع ‘الفراقشية’، بل يكشف بداية تموقع انتخابي مبكر داخل الأغلبية نفسها؛ فتصريح نزار بركة حول حماية المغاربة من المضاربين يحمل رسالة اجتماعية واضحة، يريد من خلالها حزب الاستقلال الظهور بمظهر المدافع عن القدرة الشرائية”.
وأردف لزرق، في تصريح لهسبريس، أن “رد الطالبي العلمي، بربط الموضوع بحقيبة الصناعة والتجارة التي يدبرها حزب الاستقلال، يحمل معنى سياسيا مضادا: من يرفع شعار محاربة المضاربة عليه أن يتحمل مسؤوليته من داخل الحكومة”.
وذكر المصدر نفسه أن “هذا السجال، من الناحية الدستورية، لا يعني وجود أزمة حكومية بالمعنى المباشر، لأن الأغلبية لا تتفكك بمجرد تبادل التصريحات، بل حين يتحول الخلاف إلى انسحاب سياسي أو تصويت ضد الحكومة أو تعطيل واضح لعملها”، مستدركا، من زاوية سياسية، أن “التوقيت حساس، لأن الاقتراب من الانتخابات يدفع الأحزاب إلى التمايز، حتى وهي داخل الأغلبية، حتى لا تتحمل جماعيا كلفة الغلاء واختلالات السوق”.
لذلك، خلص لزرق إلى أن “هذا التوتر يمكن اعتباره مؤشرا على انتقال تدريجي من منطق التضامن الحكومي إلى منطق الحساب الانتخابي؛ فحزب الاستقلال، بحكم خبرته التاريخية داخل الحكومات، يعرف كيف يستثمر موقعه للضغط والتميز، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه يتجه إلى تفجير الأغلبية”.
وختم بأننا أمام “رسائل انتخابية مضبوطة أكثر منها أزمة حكومية مفتوحة”، منبها إلى أن “استمرار هذا النوع من السجالات قد يضعف صورة الانسجام داخل الأغلبية، ويمنح الانطباع بأن كل طرف بدأ يستعد سياسيا لما بعد هذه الولاية”.
المصدر:
هسبريس