مع اقتراب عيد الأضحى، يستعيد السوق الأسبوعي بمدينة زايو في إقليم الناظور، كل يوم أربعاء، ملامحه الأكثر ازدحاما وحركية، حيث يتحول الفضاء الترابي المفتوح إلى مشهد متداخل الأصوات والروائح والحركة.
فمنذ الساعات الأولى من الصباح، تبدأ الشاحنات المحملة بالأغنام في التوافد على أطراف السوق، فيما تتقاطر أسر من مختلف مناطق إقليم الناظور وجهة الشرق بحثا عن أضحية العيد، وسط مزيج من الترقب والحسابات المرتبطة بالقدرة الشرائية.
على امتداد الممرات الضيقة، يتشكل مشهد يومي مألوف لكنه متجدد كل موسم. أكباش مربوطة إلى الأعمدة أو محاطة بحبال، وكسابة يجلسون قربها في انتظار زبائن محتملين، بينما يتنقل المواطنون بين النقاط المختلفة، يتفحصون الأسنان والوزن والمظهر العام للأضحية قبل الدخول في أي تفاوض.
وبين هذه الحركة، تتداخل الأصوات بشكل متواصل: نداءات بيع، مزايدات، وضحكات قصيرة، تتخللها عبارات دارجة أصبحت جزءا من ذاكرة السوق: “شحال عطاو فهاد الخير؟”، “على الله”، و“زيد شوية وديه”.
ويستقطب السوق الأسبوعي بزايو كسابة قدموا من مناطق متعددة، من بينها بركان وجرسيف والدريوش والعروي وسلوان وعين بني مطهر، حيث تعرض أنواع مختلفة من الأغنام تتباين في السلالات والأحجام والأثمنة. وتظل سلالة “الصردي” من أكثر الأنواع طلبا، إلى جانب أكباش محلية أخرى تلقى إقبالا متفاوتا حسب الجودة والوزن.
ووسط هذا التنوع، تظهر الفوارق السعرية بشكل واضح داخل السوق. فبينما تبدأ بعض الأضاحي المتوسطة من حوالي 3500 درهم، تصل أسعار الأكباش الكبيرة، خاصة ذات البنية القوية والوزن المرتفع، إلى حدود 6000 و7000 درهم. هذا التفاوت يجعل قرار الشراء مرتبطا مباشرة بمسار المساومة، التي قد تستمر لعدة دقائق أو تنتهي دون اتفاق.
في إحدى زوايا السوق، وقف رجل في الأربعينيات يتأمل كبشا أبيض كبير الحجم، قبل أن يسأل عن ثمنه. أجابه الكساب بأن السعر يبلغ 7000 درهم، موضحا أن “الخير كثير هذا العام والتكلفة مرتفعة”. الرجل اكتفى بهز رأسه، ثم غادر نحو نقطة أخرى دون إتمام الصفقة، في مشهد يتكرر بشكل لافت داخل السوق، حيث لا يحسم كثير من الزبائن قراراتهم من أول عرض.
عبد القادر، كساب قدم من ضواحي بركان، يربط ارتفاع الأسعار هذا الموسم بتزايد تكاليف الإنتاج. يقول في حديثه ل”العمق”، إن “العلف والنقل والأدوية البيطرية ارتفعت بشكل كبير”، مضيفا أن الكسابة أصبحوا مضطرين إلى رفع الأسعار بشكل نسبي تماشيا مع السوق لتغطية المصاريف المتراكمة. ويؤكد أن هامش الربح لم يعد كما كان في السنوات السابقة، في ظل تقلبات السوق وتراجع المراعي الطبيعية.
وفي المقابل، عبر عدد من المواطنين عن صعوبة مسايرة هذه الأسعار. محمد، موظف بمدينة الناظور، يقول ل”العمق”، إنه يتنقل بين الأسواق قبل اتخاذ قرار الشراء، بحثا عن “فرق بسيط في الثمن قد يصنع الفارق”. ويضيف أن كثيرا من الأسر أصبحت تؤجل قرار اقتناء الأضحية إلى الأيام الأخيرة، على أمل تسجيل انخفاض طفيف في الأسعار مع اقتراب يوم العيد.
وبين هذا وذاك، يتشكل داخل السوق نوع من التوازن الحذر بين العرض والطلب. فالكسابة يؤكدون أن الأسعار تعكس كلفة التربية، بينما يرى المواطنون أن الأثمنة تجاوزت ما يمكن تحمله في ظل الظروف الاقتصادية الحالية. وبين الرأيين، يبقى التفاوض هو اللغة المشتركة التي تحكم تفاصيل البيع.
ولا يقتصر المشهد داخل السوق على تجارة الماشية فقط، بل يمتد إلى أنشطة موازية تنعش المكان، مثل بيع الأعلاف ومستلزمات التربية، إضافة إلى خدمات النقل والمقاهي الشعبية التي تعرف بدورها إقبالا متزايدا خلال هذه الفترة. هذا الامتزاج بين الأنشطة يمنح السوق بعدا اقتصاديا واجتماعيا يتجاوز عملية البيع والشراء المباشرة.
كما تنتشر في محيط السوق عناصر الأمن الوطني والقوات المساعدة وأعوان السلطة، في إطار تدابير تنظيمية تهدف إلى تأمين حركة السير وضبط الفضاء التجاري وتسهيل تنقل الزوار والعارضين. وتأتي هذه الإجراءات ضمن استعدادات موسمية مرتبطة بفترة تعرف عادة ضغطا كبيرا على الأسواق الأسبوعية.
المصدر:
العمق