في تاكونيت بإقليم زاكورة، لم يعد الماء الذي يتدفق من صنابير المنازل الواقعة بمركز هذه الجماعة يشبه تلك المادة الصافية التي اعتاد الناس رؤيتها، بل تحول، خلال الأيام الأخيرة، إلى سائل ذي لون أقرب إلى العسل الداكن، ممزوج بروائح كريهة وشوائب أثارت خوف السكان واستياءهم.
وبين عطش يتكرر يوميا ومعاناة تمتد لسنوات، وجد المواطنون أنفسهم أمام مشهد غير مألوف، يختزل حجم الأزمة التي باتت تؤرق تفاصيل حياتهم اليومية، في ظل انقطاعات متواصلة وشبكة متهالكة لم تعد قادرة على ضمان الحد الأدنى من حقهم في الماء الصالح للشرب.
عبدالعالي البلبالي، واحد من ساكنة مركز تاكونيت وفاعل جمعوي بالمنطقة، قال إن “مشكل الماء بمركز هذه الجماعة قديم ومتجدد”، مضيفا أن “الأزمة تتفاقم بشكل ملحوظ كلما ارتفعت درجات الحرارة، غير أن المستجد هذه السنة هو استمرار الاضطرابات حتى خلال فصل الشتاء”.
وأوضح البلبالي في تصريح لجريدة “العمق”، أن هذا “المشكل لا يرتبط بندرة المياه في حد ذاتها، مؤكدا أن “الماء موجود بالآبار، غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في ضعف شبكة التوزيع وعدم قدرتها على تحمل قوة ضخ المياه، ما يدفع القائمين على القطاع إلى تقليص الصبيب لتفادي انفجار القنوات ووقوع أعطاب متكررة”.
وأضاف أن “ضعف الصبيب يجعل عددا كبيرا من الأسر، خصوصا القاطنين بالطوابق العليا، غير قادرين على الاستفادة من الماء إلا باستعمال المضخات الكهربائية، في حين تظل بعض المنازل البعيدة عن مصدر التوزيع محرومة بشكل شبه كامل، بسبب قصر مدة التزويد التي لا تتجاوز في أحسن الأحوال ساعتين يوميا، وأحيانا أقل من ذلك”.
وأشار الفاعل الجمعوي إلى أن “الساكنة فوجئت، خلال اليومين الماضيين، بتدفق مياه ذات رائحة كريهة ولون بني مائل إلى الصدأ، مع وجود شوائب خطيرة”، معتبرا في الوقت ذاته أن “المياه لم تمر عبر مراحل التصفية المعتادة قبل ضخها نحو المنازل”.
ورجح المصدر عينه، أن يكون الأمر مرتبطا إما بغياب التقنيين المكلفين بالمراقبة أو بمحاولة الاستجابة السريعة لحاجيات السكان دون احترام مدة التصفية الضرورية، الأمر الذي أدى إلى ضخ مياه ملوثة مباشرة إلى الشبكة.
وانتقد المتحدث ما وصفه بـ”غياب التفاعل الجدي” من طرف المسؤولين المحليين والتقنيين المكلفين بتدبير القطاع، مؤكدا أن شكايات المواطنين المتكررة، سواء لدى الوكالة المعنية أو لدى الجماعة، لا تجد أي تجاوب فعلي، باستثناء وعود متكررة بقرب ربط المنطقة بمياه السد.
واعتبر أن “الحديث عن مياه السد لا يمكن أن يشكل حلا جذريا، ما دامت البنية التحتية الحالية مهترئة وغير قادرة على استيعاب الضخ القوي”، مشددا على أن “الحل الأساسي يكمن في إعادة تأهيل شبكة التوزيع بشكل كامل، باعتبارها جوهر الأزمة الحقيقية”.
من جهة أخرى، أثار الفاعل نفسه مشكل الواد الحار الذي لم يتم ربطه بشكل نهائي رغم الأشغال التي شهدتها المنطقة، لافتا إلى أن بعض الحفر القديمة الخاصة بالصرف الصحي ما تزال قريبة من قنوات الماء، وهو ما قد يؤدي إلى اختلاط المياه الصالحة للشرب بمخلفات الواد الحار، خاصة في ظل تهالك الشبكة الحالية.
وختم البلبالي تصريحه بالتعبير عن أمله في أن تدفع هذه المعاناة الجهات المسؤولة إلى التحرك العاجل، خصوصا مع اقتراب فصل الصيف وعيد الأضحى، داعيا إلى اتخاذ إجراءات عملية تضمن للساكنة حقها في الماء الصالح للشرب وتحفظ كرامتها وظروف عيشها اليومية.
ولم تتمكن جريدة “العمق”، من أخد توضيح أسامة لحمر، مدير وكالة الخدمات تاكونيت، حول حيثيات هذا الموضوع، وذلك بعدما أبدى الأخير نوعا من التحفظ في تقديم معطيات فورية عبر الهاتف، مفضلا عدم الخوض في تفاصيل الملف في الوقت الحالي.
وأشار المتحدث إلى أن تقديم أي توضيحات رسمية بخصوص الوضع المائي بالمنطقة يستلزم سلك المساطر الإدارية المعمول بها، عبر إيداع طلب كتابي رسمي لدى المصالح الوصية قبل الإدلاء بأي تصريح إعلامي
المصدر:
العمق