آخر الأخبار

المجلس الاقتصادي: المغرب يفقد 75% من حبوبه المحلية ومخزوناته السمكية تقترب من “الخط الأحمر”

شارك

دق المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، اليوم الأربعاء ناقوس الخطر بشأن التدهور المتسارع للرصيد الطبيعي في المغرب، كاشفا عن فقدان المغرب لما يقارب 75 في المائة من الأصناف المحلية للحبوب خلال العقود الأخيرة، داعيا إلى إحداث تحرك مؤسساتي وذلك عبر نقل اللجنة الوطنية للتغير المناخي لتصبح تحت الإشراف المباشر لرئاسة الحكومة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وجاء ذلك خلال اللقاء التواصلي الذي نظمه المجلس، الأربعاء 20 ماي 2026، لتقديم مخرجات رأيه حول موضوع “التنوع البيولوجي في المغرب: نحو حكامة متجددة في خدمة تنمية ترابية مستدامة”، وذلك في سياق الاحتفاء باليوم العالمي للتنوع البيولوجي الذي يصادف 22 ماي من كل سنة.

وأكد رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عبد القادر اعمارة، أن التنوع البيولوجي لم يعد مجرد قضية بيئية تهم الباحثين والخبراء، بل أضحى رهانا استراتيجيا مرتبطا باستدامة النماذج الاقتصادية والتنموية للدول، مشددا على ضرورة تحويل الرصيد الطبيعي إلى رافعة للنمو والتنمية، مع الحفاظ على التوازنات الإيكولوجية وضمان استدامة الموارد الطبيعية.

وقال أعمارة إن المغرب يُصنف ضمن المجالات العالمية الغنية بالتنوع البيولوجي على مستوى حوض البحر الأبيض المتوسط والقارة الإفريقية، بفضل ما يزخر به من تنوع مناخي يشمل المناخ القاري والرطب والجاف وشبه الجاف، إلى جانب تعدد النظم البيئية التي تضم الغابات والجبال والواحات والمناطق الرطبة والمجالات السهبية والسواحل والأوساط البحرية.

وأوضح أن هذه المكونات الطبيعية تشكل منظومة حيوية متكاملة تضطلع بأدوار أساسية في ضمان الأمن الغذائي والمائي، وتنظيم المناخ، وتعزيز صمود المجالات الترابية في مواجهة التقلبات البيئية، فضلا عن مساهمتها في استدامة الأنشطة الفلاحية والغابوية والبحرية والسياحية، بما يدعم التوازن بين المجالات الترابية ويحد من الفوارق بينها.

وأشار رئيس المجلس إلى أن التنوع البيولوجي بالمغرب يواجه اليوم ضغوطا متزايدة ومركبة، نتيجة تراجع الموائل الطبيعية بسبب التوسع العمراني، والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، والتلوث، وانتشار الأنواع الغازية الدخيلة، فضلا عن تداعيات التغير المناخي، وهو ما يؤدي إلى تدهور متسارع للتربة وارتفاع حدة الإجهاد المائي وإضعاف النظم البيئية الفلاحية والغابوية والرعوية والبحرية ونظم الواحات.

وأضاف أن الدراسة التي أعدها المجلس وفق مقاربة تحليلية وتشاركية موسعة، هدفت إلى تشخيص العوامل البنيوية التي تسهم في تدهور التنوع البيولوجي وطنيا، واستجلاء آثارها على قدرة المجالات الترابية على الصمود، مع الوقوف عند الاختلالات التي تحد من حماية هذا الرصيد الطبيعي واستعادته وتثمينه بشكل مستدام.

كما أبرزت الدراسة، بحسب أعمارة، عددا من الرافعات الكفيلة بإدماج أفضل للتنوع البيولوجي في السياسات العمومية واختيارات التنمية، بما ينسجم مع رهانات السيادة الغذائية والأمن المائي والتكيف مع التغيرات المناخية.

وسجل المتحدث أنه رغم التقدم الذي أحرزه المغرب عبر استراتيجياته الوطنية ومخططاته القطاعية في مجالات البيئة والتنمية المستدامة، وكذا انخراطه في تنفيذ التزاماته الدولية، فإن عددا من أوجه القصور لا تزال مستمرة، لا سيما في ما يتعلق بحماية التنوع البيولوجي وتثمينه واستعادته.

وأوضح أن المجال الفلاحي يشهد تراجعا ملحوظا في التنوع البيولوجي الزراعي نتيجة ضعف تنويع أنماط الإنتاج واعتماد طرق زراعية موحدة وتزايد الضغط على الأراضي، مشيرا إلى فقدان ما يقارب 75 في المائة من الأصناف المحلية للحبوب خلال العقود الأخيرة.

أما في المجال البحري، فأكد أن عددا من المخزونات السمكية يُستغل عند مستويات تقترب أو تتجاوز عتبة الاستدامة، في وقت لا تزال فيه إمكانات بيولوجية بحرية مهمة غير مستثمرة بالشكل الأمثل.

وانتقد أعمارة استمرار الطابع القطاعي في حكامة التنوع البيولوجي، معتبرا أن ضعف التنسيق بين القطاعات المعنية يحد من إدماج هذا الموضوع بشكل عرضاني داخل السياسات العمومية، في ظل غياب الالتقائية بين السياسات الفلاحية والمائية والبيئية والترابية والمالية، وضعف اعتماد مقاربة التكامل بين الموارد والقطاعات.

وأكد رئيس المجلس أن التنوع البيولوجي ينبغي أن يُكرس كرافعة مهيكلة للسيادة الوطنية ولنموذج التنمية بالمغرب، في ارتباط وثيق بقضايا الماء والطاقة والسيادة الغذائية والتكيف مع التغيرات المناخية، داعياً إلى اعتباره رأسمالا طبيعيا استراتيجيا وإدماجه ضمن السياسات العمومية بما يعزز صمود المجالات الترابية ويدعم التنمية المستدامة.

وأشار إلى أن المجلس يوصي باعتماد قانون-إطار خاص بالتنوع البيولوجي لتوطيد المنظومة القانونية والاستراتيجية الحالية، وتكريس الاستراتيجية الوطنية وخطة العمل الخاصة بالتنوع البيولوجي كمرجع أساسي للفعل العمومي، مع ضمان التقائية السياسات القطاعية والمخططات والبرامج وآليات الاستثمار مع أهدافها ومؤشراتها.

كما دعا إلى تعزيز الحكامة الوطنية للتنوع البيولوجي عبر آليات مندمجة للقيادة والتتبع وتقييم الرأسمال الطبيعي وخدمات النظم البيئية، إلى جانب تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات المعنية.

وفي هذا السياق، أوصى المجلس بالارتقاء بالوضع القانوني للجنة الوطنية للتغير المناخي والتنوع البيولوجي، وجعلها تحت إشراف رئاسة الحكومة، حتى تضطلع بدور هيئة للقيادة الاستراتيجية والتحكيم بين القطاعات، وضمان انسجام السياسات العمومية مع الالتزامات الوطنية والدولية للمملكة.

وتضمنت توصيات المجلس إرساء آلية مؤسساتية للتحيين المنتظم للاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجي وخطة عملها، مع تخصيص برمجة ميزانياتية خاصة بها، إضافة إلى تجميع وتحديث الإطار القانوني لحماية التنوع البيولوجي في أفق إرسائه ضمن مدونة خاصة.

كما دعا إلى التنصيص التشريعي الصريح على حماية الموائل الطبيعية والأنواع الهشة والأنواع الدخيلة الغازية ومتطلبات الأمن البيولوجي، واعتماد آليات فعالة للمراقبة والجزاءات الرادعة.

وأكد المجلس أهمية ضمان التنزيل الترابي للاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجي عبر إدماج أهدافها في التصاميم الجهوية لإعداد التراب وبرامج التنمية الجهوية ووثائق التعمير والمخططات القطاعية، بما يضمن مواءمة التنمية الترابية مع متطلبات حماية النظم الإيكولوجية واستعادتها.

ومن بين التوصيات أيضا إعداد خريطة وطنية للنظم البيئية وقائمة حمراء للموائل والنظم البيئية المهددة، بهدف تحديد أولويات الحماية والاستعادة وتوجيه الفعل العمومي.

كما دعا المجلس إلى تسريع اعتماد الحلول المرتكزة على الطبيعة، من خلال تعبئة النظم الإيكولوجية والمعارف التقليدية لتعزيز صمود المجالات الترابية والتدبير المستدام للموارد الطبيعية وتقليص الاعتماد على البنيات التحتية المكلفة.

وشدد على ضرورة تعزيز حماية وتثمين التنوع البيولوجي الزراعي عبر الحفاظ على البذور والسلالات المحلية المتأقلمة، وتعزيز النظم الزراعية الإيكولوجية والواحات والمجالات الرعوية والمنتجات المجالية.

وفي المجال البحري، أوصى باعتماد مقاربة إيكولوجية في تدبير الموارد البحرية، عبر مكافحة الصيد غير القانوني وغير المصرح به وغير المنظم، وضمان حماية فعلية للنظم البيئية البحرية.

كما دعا إلى ربط الاستثمارات العمومية والخاصة بشروط حماية وتثمين التنوع البيولوجي، من خلال جعل الولوج إلى التمويل والتحفيزات الاقتصادية مرتبطاً باحترام معايير خاصة بالتنوع البيولوجي، خصوصا في المناطق ذات القيمة الإيكولوجية العالية.

وأكد المجلس كذلك أهمية دعم البحث العلمي وآليات الرصد البيئي وبنوك الجينات، وإنتاج المعطيات الاستراتيجية المتعلقة بالنظم البيئية، إلى جانب تثمين المعارف المحلية وهيكلة سلاسل الإنتاج المستدامة المرتبطة بالنباتات العطرية والطبية ونظم الواحات والسياحة الإيكولوجية.

وكشف أعمارة أن الاستشارة المواطنة التي أطلقها المجلس عبر منصة “أشارك” سجلت 1679 إجابة، حيث اعتبر المشاركون أن الموارد المائية تأتي في مقدمة المكونات الطبيعية التي تستحق الحماية بنسبة 20 في المائة، تليها الغابات والمساحات الخضراء بنسبة 19 في المائة، ثم السواحل والمناطق البحرية والواحات والمناطق الجافة بنسبة 17 في المائة لكل منهما، فالمناظر الطبيعية بنسبة 14 في المائة، ثم الأنظمة الفلاحية والمعارف التقليدية المرتبطة بها بنسبة 13 في المائة.

وبخصوص أبرز التهديدات التي تواجه التنوع البيولوجي بالمغرب، حدد المشاركون الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية في المرتبة الأولى بنسبة 23 في المائة، يليه التلوث بنسبة 22 في المائة، ثم التوسع العمراني السريع بنسبة 21 في المائة، إضافة إلى الممارسات الزراعية والغابوية غير المستدامة بنسبة 19 في المائة، والتغير المناخي بنسبة 16 في المائة.

كما أظهرت نتائج الاستشارة أن 97 في المائة من المشاركين رصدوا مظاهر تدهور في بيئتهم المحلية، تمثلت أساسا في فقدان الغطاء الغابوي بنسبة 30 في المائة، وتلوث المياه والسواحل بنسبة 23 في المائة، والتصحر بنسبة 19 في المائة، وانقراض بعض الأنواع بنسبة 17 في المائة، وتراجع الموارد السمكية بنسبة 12 في المائة.

وفي ما يتعلق بأولويات الحفاظ على التنوع البيولوجي، أبرزت النتائج أن تعزيز تطبيق القوانين البيئية جاء في المرتبة الأولى بنسبة 25 في المائة، يليه إدماج حماية التنوع البيولوجي في القطاعات الاقتصادية ودعم المبادرات البيئية المستدامة بنسبة 21 في المائة لكل منهما، ثم التوعية والتعبئة المواطنة بنسبة 19 في المائة، وأخيرا إعادة تأهيل النظم البيئية المتدهورة بنسبة 15 في المائة.

وأشار اعمارة إلى أن الزيارة الميدانية التي قام بها المجلس إلى جهة سوس-ماسة مكنت من الوقوف بشكل مباشر على التحديات التي تواجه النظم البيئية والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها، حيث عقد المجلس لقاءات مع مسؤولين وفاعلين ترابيين ومهنيين وباحثين وممثلي المجتمع المدني.

وأكد رئيس المجلس الاقتصادي أن مختلف التدخلات خلال هذه الزيارة أجمعت على أن التدهور البيئي لم يعد مجرد إشكال طبيعي معزول، بل أصبح يؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد المحلي وشروط العيش وتوازن المجالات الترابية.

كما أبرزت الزيارة حجم الضغوط المرتبطة بالإجهاد المائي والتصحر والتوسع العمراني وأنماط الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، إلى جانب تسجيل مؤشرات مقلقة مرتبطة بتراجع التنوع البيولوجي الزراعي وتدهور المنظومات الواحية والرعوية وتراجع الكائنات الملقحة، فضلا عن الضغوط المتزايدة التي تواجه الثروات البحرية.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا