كشفت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، عن حصيلة مفصلة لتطبيق المرسوم الجديد المنظم للصفقات العمومية، مؤكدة أن هذا الإصلاح يندرج ضمن الأوراش الاستراتيجية الكبرى التي باشرتها الحكومة بهدف تحديث منظومة الطلبية العمومية، وتعزيز الحكامة والشفافية، وتحويل الصفقات العمومية إلى رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وفي معرض جوابها على سؤال للمستشارين البرلمانيين المصطفى الدحماني ومحمد بن فقيه عن فريق فريق التجمع الوطني للأحرار بـمجلس المستشارين، حول حصيلة تنزيل المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية، أكدت الوزيرة أن إصلاح الصفقات العمومية يحظى بعناية خاصة من طرف الحكومة بالنظر إلى انعكاساته المباشرة على النسيج الاقتصادي الوطني وجاذبية الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال، فضلا عن مساهمته في تحقيق النمو الاقتصادي وإحداث فرص الشغل وتعزيز التنمية الجهوية والمحلية.
وأوضحت أن الإصلاح يروم، بالأساس، توحيد النصوص المؤطرة للصفقات العمومية، وتبسيط المساطر الإدارية، وتقوية الشفافية وتخليق التدبير العمومي، إضافة إلى تحسين الضمانات الممنوحة للمتنافسين وترسيخ مبدأ المساواة وحرية الولوج إلى الطلبية العمومية.
ارتفاع عدد المقاولات المستفيدة
وفيما يخص تعزيز البعد الاقتصادي للصفقات العمومية، أبرزت الوزيرة أن الحكومة اعتمدت مجموعة من الإجراءات العملية الرامية إلى تسهيل ولوج المقاولات الوطنية إلى الطلبيات العمومية، اعتبارا لدورها في تأهيل الاقتصاد الوطني وتحفيز ديناميته.
وأفادت بأن عدد الشركات المسجلة ببوابة الصفقات العمومية ارتفع بشكل ملحوظ منذ دخول المرسوم حيز التنفيذ، منتقلا من 35 ألفا و484 شركة عند متم شهر غشت 2023 إلى 50 ألفا و511 شركة خلال سنة 2024، ثم إلى 54 ألفا و681 شركة سنة 2025، مسجلا بذلك زيادة بلغت 54 في المائة.
واعتبرت المسؤولة الحكومية أن هذه الأرقام تعكس نجاح الإجراءات الحكومية الرامية إلى تشجيع المقاولات الوطنية على الولوج إلى سوق الصفقات العمومية والاستفادة من الفرص الاستثمارية التي توفرها الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية.
وفي محور طرق إبرام الصفقات العمومية، أوضحت نادية فتاح أن المرسوم الجديد أقر آليات حديثة لإبرام الصفقات، من بينها مسطرة الحوار التنافسي ومسطرة العرض التلقائي، إلى جانب إدماج مفهوم الخدمات المبتكرة، خاصة تلك المرتبطة بالمقاولات الناشئة العاملة في مجال الرقمنة والابتكار.
وأضافت أن هذه المستجدات تهدف إلى عصرنة أساليب الشراء العمومي وتبسيط المساطر الإدارية وإدماج منطق البحث والتطوير والابتكار داخل منظومة الصفقات العمومية.
وكشفت المعطيات الرسمية المتعلقة بسنة 2025 عن تسجيل 5565 طلب عروض مبسط لفائدة الدولة، و3944 لفائدة الجماعات الترابية، و4630 لفائدة المؤسسات العمومية، بمبلغ إجمالي بلغ 6 مليارات و324 مليون و137 ألفا و958 درهما.
كما تم تسجيل 76 استشارة معمارية مفتوحة مبسطة لفائدة المهندسين المعماريين المبتدئين بالنسبة للدولة، و53 بالنسبة للجماعات الترابية، و123 بالنسبة للمؤسسات العمومية، بقيمة إجمالية بلغت 391 مليونا و100 ألف و878 درهما.
وفي السياق ذاته، سجلت بوابة الصفقات العمومية خمس عمليات للحوار التنافسي بمبلغ إجمالي ناهز 6 مليارات و435 مليونا و600 ألف درهم.
قفزة في عدد سندات الطلب
وبخصوص إصلاح نظام سندات الطلب، شددت الوزيرة على أن الإصلاحات الجديدة مكنت من ضبط أفضل لمسطرة الشراء عبر سندات الطلب، بما يضمن المنافسة الحرة والشفافية والمساواة بين المتنافسين.
وأوضحت نادية فتاح أن عدد سندات الطلب المعلن عنها ارتفع من 19 ألفا و248 سندا عند متم سنة 2023 إلى 95 ألفا و778 سندا خلال سنة 2024، ثم إلى 97 ألفا و958 سندا خلال سنة 2025، بزيادة إجمالية بلغت 408 في المائة، مضيفة أن 68 في المائة من هذه السندات تم إرساؤها فعليا.
وأكدت وزيرة المالية، أن هذه المؤشرات تعكس فعالية الإصلاحات التي همت مسطرة الشراء بواسطة سندات الطلب، خاصة على مستوى تفعيل المنافسة وتوسيع قاعدة المشاركة.
وفيما يتعلق بتحسين جودة الصفقات العمومية وتقليص تكلفتها، أبرزت الوزيرة أن النظام الجديد انتقل من مبدأ “الأقل ثمنا” إلى مبدأ “العرض الأفضل اقتصاديا”، وهو ما يضمن تحقيق التوازن بين الجودة والكلفة.
وأوضحت المسؤولة الحكومية، أن صاحب المشروع أصبح ملزما، قبل إطلاق أي طلب للمنافسة أو الدخول في مفاوضات، بتحديد الحاجيات والمواصفات التقنية ومحتوى الأشغال أو الخدمات المطلوبة بدقة، مع الحرص على استيفاء التراخيص والإجراءات القانونية اللازمة.
وأكدت أن إنجاز الأشغال ذات الطابع الحرفي يتم، كلما أمكن ذلك، على أساس منتجات الصناعة التقليدية المغربية أو المنتجات ذات المنشأ المغربي، أو وفق المعايير المغربية المعتمدة، وفي حالة غيابها يتم اعتماد المعايير الدولية المعمول بها.
وأضافت أن الإشارة إلى علامة تجارية أو مرجع معين لا تعني إقصاء المنتجات المماثلة، شريطة أن تستجيب لنفس معايير الجودة والنجاعة المطلوبة، مع احترام مبدأ حرية المنافسة وعدم تقييدها.
دعم المقاولات الصغرى والتعاونيات
وفي ما يخص توسيع دائرة المنافسة وإدماج المقاولات الصغرى والتعاونيات والمقاولين الذاتيين، أكدت الوزيرة أن المرسوم الجديد جعل الطلبية العمومية أداة لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية وإنعاش التشغيل.
وأوضحت أن النص التنظيمي ألزم أصحاب المشاريع بتخصيص 30 في المائة من الصفقات العمومية المزمع إبرامها لفائدة المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، والمقاولات الناشئة المبتكرة، والتعاونيات واتحاد التعاونيات والمقاولين الذاتيين.
كما ألزمت المقتضيات الجديدة أصحاب المشاريع بنشر برنامج توقعي يمتد لثلاث سنوات للصفقات المزمع إبرامها، سواء في الصحافة الوطنية أو عبر بوابة الصفقات العمومية، مع تحديد ما إذا كانت الصفقة مخصصة لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة أو التعاونيات أو المقاولين الذاتيين.
وفي السياق نفسه، أصبح أصحاب المشاريع ملزمين بنشر لوائح سنوية تتضمن عدد الصفقات المسندة لهذه الفئات ومبالغها الإجمالية، في إطار تعزيز الشفافية وتتبع مدى احترام نسبة 30 في المائة المخصصة لها.
تعزيز تنافسية المقاولات الوطنية
وشملت الإصلاحات كذلك التنصيص على إمكانية تخصيص الصفقات إلى حصص “allotissement”، بهدف تشجيع مشاركة المقاولات الوطنية الصغرى والمتوسطة.
وفي هذا الإطار، ارتفع عدد الصفقات المخصصة من 3855 صفقة عند متم غشت 2023 إلى 4273 صفقة سنة 2024، ثم إلى 4516 صفقة خلال سنة 2025، بزيادة بلغت 17 في المائة.
كما ألزم المرسوم صاحب الصفقة، في حالة اللجوء إلى التعاقد من الباطن، بإسناد التنفيذ إلى مقاولات مقيمة بالمغرب، خصوصا المقاولات الصغيرة والمتوسطة والتعاونيات والمقاولين الذاتيين.
ومن بين التدابير الأخرى، اعتماد طلب العروض المبسط، الذي يعفي المقاولات، خاصة الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، من تقديم الشهادات المرجعية والتصريح بمخطط التحمل، بهدف تسهيل مشاركتها في الطلبية العمومية.
وسجل عدد طلبات العروض المبسطة ارتفاعا كبيرا، منتقلا من 3153 طلبا عند متم غشت 2023 إلى 13 ألفا و650 طلبا سنة 2024، ثم إلى 14 ألفا و23 طلب عروض سنة 2025، بنسبة ارتفاع بلغت 344 في المائة.
كما ألزمت المقتضيات الجديدة أصحاب المشاريع بالإشارة صراحة في إعلانات طلب المنافسة إلى ما إذا كانت الصفقة مخصصة للمقاولات الصغرى والمتوسطة، مع تمكين المتنافسين من تكوين تجمعات لتقديم عرض موحد عبر دمج مواردهم البشرية والتقنية والمالية.
إشادة دولية بالإصلاحات المغربية
وفي ما يتعلق بملاءمة منظومة الصفقات العمومية مع المعايير الدولية، أكدت الوزيرة أن المغرب قام بتحيين نظام تدبير الصفقات العمومية وفق المعايير والممارسات الدولية المعتمدة.
وأبرزت أن تقرير تقييم نجاعة تدبير المالية العمومية لسنة 2023 منح المغرب الدرجة “A” بخصوص نظام تسجيل وتتبع البيانات المتعلقة بإسناد الصفقات وتفعيل المنافسة عبر طلبات العروض.
كما أشارت الوزيرة إلى أن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أكدت، في تقرير صدر خلال شتنبر 2024، أن الإصلاحات المغربية أفضت إلى نتائج إيجابية، من بينها إدماج عناصر التنمية المستدامة والابتكار، وضمان الأداء المباشر للمتعاقدين من الباطن، وتوحيد الإطار القانوني المنظم للصفقات العمومية.
واعتبر التقرير، وفق الوزيرة، أن نظام الصفقات العمومية المغربي يعد من بين الأنظمة الأكثر تقدما على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وفيما يخص تعزيز الأفضلية الوطنية، أوضحت نادية فتاح أن المرسوم الجديد أقر طلب العروض الوطني كمسطرة جديدة تقتصر على المتنافسين المقيمين بالمغرب، إلى جانب توسيع نطاق تطبيق الأفضلية الوطنية ليشمل صفقات التوريدات والخدمات والدراسات، مع احترام التزامات المغرب الدولية واتفاقيات التبادل الحر.
وأكدت وزيرة الاقتصاد والمالية أن الحكومة تواصل العمل على تطوير منظومة الصفقات العمومية وتوفير مختلف آليات المواكبة الكفيلة بتحسين الأداء الاقتصادي للطلبيات العمومية، لما لذلك من أثر مباشر على دعم تنافسية الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية الشاملة.
المصدر:
العمق