مع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، وامتداد تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى أسواق الطاقة والنقل الجوي والبحري، عاد التساؤل مجددا حول مدى تأثير هذه الاضطرابات الجيو-سياسية على الموسم السياحي بالمغرب، خاصة في فترة الصيف التي تعرف توافد ملايين السياح ومغاربة العالم.
ويرى مهنيون وخبراء أن انعكاسات الحرب قد تكون معقدة ومزدوجة؛ إذ يمكن أن تؤثر سلبا على كلفة السفر والتنقل بسبب ارتفاع أسعار المحروقات، لكنها قد تخلق في المقابل فرصا جديدة للمغرب باعتباره وجهة قريبة وآمنة مقارنة بعدد من المناطق المتوترة.
وبين مخاوف ارتفاع تكاليف السفر وآمال الاستفادة من “تأثير الاستبدال”، يبدو أن الموسم الصيفي بالمغرب سيتحدد إلى حد كبير وفق تطورات الأوضاع الجيو-سياسية خلال الأسابيع المقبلة، ومدى استمرار التوترات في التأثير على أسعار الطاقة وحركة النقل الدولي.
في هذا السياق، أوضح الزوبير بوحوث، خبير في المجال السياحي، أن أي حرب أو توتر جيو-سياسي ينعكس بشكل مباشر على أسعار الطاقة، بما في ذلك المحروقات والوقود المستعمل في النقل الجوي والبحري، وهو ما يؤدي تلقائيا إلى ارتفاع تكلفة السفر.
وأكد بوحوث، ضمن تصريح لهسبريس، أن “غلاء البترول ومشتقاته، بما فيها الكيروزين والمحروقات التي تشغّل النقل البحري، لا بد أن يكون له انعكاس على الطلب السياحي”، مشيرا إلى أن ارتفاع أسعار التذاكر قد يدفع عددا من السياح إلى إعادة النظر في وجهاتهم المعتادة، خصوصا بالنسبة للرحلات الطويلة المكلفة.
غير أن الخبير السياحي شدد في المقابل على وجود ما سماه “تأثير الاستبدال”؛ إذ يلجأ عدد من السياح الأوروبيين إلى اختيار وجهات أقرب وأقل تكلفة بدل السفر نحو مناطق بعيدة، وهو ما قد يمنح المغرب أفضلية مهمة خلال الموسم الصيفي الحالي.
وأوضح أن المغرب يستفيد من قربه الجغرافي من أوروبا، التي تمثل أكبر خزان للسياح الوافدين على المملكة، مضيفا أن السائح الذي كان يخطط للسفر إلى وجهات بعيدة قد يفضل في النهاية قضاء عطلته بالمغرب بسبب انخفاض تكلفة الرحلة نسبيا.
كما أشار بوحوث إلى أن جزءا كبيرا من مغاربة العالم يعتمدون على النقل البحري أو شركات الطيران منخفضة التكلفة، وهي الفئات التي تتأثر بدرجة أقل بارتفاع أسعار الوقود مقارنة بشركات الطيران الكبرى المتخصصة في الرحلات الطويلة.
وأضاف أن الزيادات التي تطال الرحلات منخفضة التكلفة تبقى محدودة نسبيا، موضحا أن الرحلات التي لا تتجاوز أسعارها 30 أو 40 يورو لن تتأثر بالحدة نفسها التي تتأثر بها الرحلات البعيدة التي تتجاوز تكلفتها آلاف الدراهم.
ورغم ذلك، توقع المتحدث أن تؤثر هذه الزيادات بشكل غير مباشر على سلوك السياح ومغاربة العالم، من خلال تقليص مدة الإقامة أو خفض حجم الإنفاق خلال العطلة، وهو ما قال إنه بدأ يظهر فعليا خلال الربع الأول من سنة 2026.
وسجل المصرح لهسبريس أن القطاع السياحي المغربي لا يزال يحقق نموا، لكنه أصبح أقل قوة مقارنة بسنوات ما بعد الجائحة، موضحا أن نسبة ارتفاع عدد الوافدين خلال الأشهر الثلاثة الأولى من السنة الحالية بلغت حوالي 7 في المائة، بعدما سجلت المملكة زيادات بلغت 14 في المائة سنة 2025 و20 في المائة سنة 2024.
واعتبر بوحوث أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تراجع نسق النمو السياحي، “لكن دون تأثير كبير على الأعداد الإجمالية”، مرجحا أن يحافظ المغرب على جاذبيته بفضل عامل القرب والأمان.
من جانبه، أفاد محمد جدري، خبير اقتصادي، بأن المؤشرات الحالية تدل على أن القطاع السياحي المغربي يعيش “انتعاشة حقيقية”، مذكرا بأن المملكة استقبلت خلال السنة الماضية حوالي 19.8 مليون سائح، بعائدات تجاوزت 138 مليار درهم.
وأشار جدري، ضمن تصريح لهسبريس، إلى أن المغرب تجاوز بالفعل الأهداف السياحية المسطرة لسنة 2026 قبل موعدها، مضيفا أن مغاربة العالم سيواصلون التوافد على المملكة خلال عملية “مرحبا”، التي تشهد سنويا عودة ملايين المغاربة المقيمين بالخارج.
وأوضح أن تجربة سنة 2022، التي تميزت بموجة تضخمية عالمية قوية، أظهرت أن القطاع السياحي المغربي ظل قادرا على تحقيق النمو رغم ارتفاع الأسعار عالميا، وهو ما يعزز فرضية استمرار التوافد السياحي خلال الصيف الحالي.
ورجح الخبير الاقتصادي أن تنعكس التوترات في الشرق الأوسط إيجابيا على الوجهة المغربية، خاصة بالنسبة للسياح الذين أصبحوا يبحثون عن وجهات أكثر استقرارا وأمانا، بدل المرور عبر بعض المراكز الجوية الكبرى في الخليج أو آسيا.
وأشار إلى أن المغرب بدأ يجذب فعليا فئات جديدة من السياح الذين يزورون البلاد لأول مرة، لافتا إلى أن مدنا مثل مراكش وأكادير تعرف حاليا نسب ملء مرتفعة جدا.
وأضاف جدري أن عددا من السياح الذين كانوا يفضلون وجهات في الخليج أو شرق آسيا قد يعيدون توجيه اختياراتهم نحو المغرب بسبب المخاوف المرتبطة بالتوترات الإقليمية، معتبرا أن “العكس هو الذي قد يحصل”، أي إن الحرب قد تمنح دفعة إضافية للقطاع السياحي المغربي بدل أن تؤثر عليه سلبيا.
المصدر:
هسبريس