أكد الخبير الجبائي والأستاذ بالمعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات بالدار البيضاء، محمد الرهج، أن بناء “جامعة قوية” في المغرب لم يعد ممكنا دون إرساء منظومة فعالة للبحث العلمي والابتكار، قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، داعيا إلى الانتقال من “البحث الأكاديمي المعزول” إلى البحث القابل للتفعيل داخل المقاولة والمساهم في إنتاج الثروة والابتكار.
وخلال مداخلته ضمن محطة “مسار المستقبل” التي نظمتها شبكة الأساتذة الجامعيين التجمعيين بمدينة فاس، أمس السبت، شدد الرهج على أن الإشكال الحقيقي اليوم لا يكمن في عدد الأطروحات أو الدراسات المنشورة، بل في محدودية أثرها الاقتصادي والتنموي، موضحا أن آلاف البحوث الجامعية التي أُنجزت بالمغرب ظلت حبيسة الرفوف، دون أن تتحول إلى مشاريع إنتاجية أو حلول عملية لفائدة المقاولات والاقتصاد الوطني.
واستعاد المتحدث مسار تطور الجامعة المغربية، مشيرا إلى أن وظيفة الأستاذ الجامعي خلال عقود طويلة كانت محصورة أساسا في التدريس والتكوين، في ظل حاجة الدولة بعد الاستقلال إلى تعويض الأطر الأجنبية التي كانت تؤطر المؤسسات المغربية. وأبرز أن الترقية المهنية آنذاك كانت مرتبطة بالأقدمية أكثر من ارتباطها بالمردودية العلمية أو البحثية، ما جعل عددا كبيرا من الأساتذة يعتبرون أن مهمتهم البحثية تنتهي مباشرة بعد مناقشة أطروحة الدكتوراه.
وأوضح الرهج أن التحول بدأ منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، حين أصبحت الترقية الجامعية ترتبط أيضا بالإنتاج العلمي والعمل البيداغوجي، غير أن ذلك لم يكن كافيا لإحداث طفرة حقيقية في مجال البحث العلمي، بسبب غياب رؤية متكاملة تربط الجامعة بالمقاولة والابتكار والاستثمار.
وفي هذا السياق، طرح الأستاذ الجامعي مجموعة من “المسارات الإصلاحية” التي اعتبرها ضرورية لتطوير البحث العلمي، من بينها الحكامة، وتمويل الابتكار، وتشجيع المقاولات الناشئة، والانفتاح الدولي، وربط الجهات بالبحث العلمي، إضافة إلى إحداث آليات جبائية محفزة للاستثمار في البحث والتطوير.
ودعا الرهج الحكومة والأحزاب السياسية، وعلى رأسها حزب التجمع الوطني للأحرار، إلى تبني إصلاح ضريبي جريء يقوم على إقرار ما سماه “الائتمان الضريبي للبحث العلمي”، على غرار التجارب الدولية، وخاصة النموذج الفرنسي، الذي يمنح المقاولات تخفيضات ضريبية مهمة مقابل استثماراتها في البحث والتطوير.
وأوضح أن الدولة مطالبة بتقديم “هدية ضريبية” لكل مقاولة، بما فيها الجامعة، تستثمر في البحث العلمي، عبر تمكينها من إسقاطات ضريبية قد تصل إلى 30 في المائة من حجم النفقات المخصصة للبحث، سواء تعلق الأمر بالأجور أو التجهيزات أو المختبرات، معتبرا أن هذا التوجه من شأنه أن يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني ويحفز المقاولات على الاستثمار في الابتكار بدل الاكتفاء بالأنشطة التقليدية.
وانتقد الرهج محدودية التحفيزات الحالية الموجهة للمقاولات الناشئة “Start-up”، معتبرا أن الإعفاءات الضريبية المعمول بها اليوم تبقى غير كافية وغير فعالة في كثير من الأحيان، لأن المقاولات في سنواتها الأولى غالبا ما تسجل خسائر مالية، ما يجعلها غير قادرة على الاستفادة الفعلية من الامتيازات الجبائية التي يمنحها القانون.
وقال إن “الهدية الضريبية” لا تحقق أهدافها عندما تكون المقاولة في بداية نشاطها وتعاني أصلا من غياب الأرباح، داعيا إلى تدخل مباشر للدولة خلال السنوات الخمس الأولى من عمر المقاولة، عبر تقديم دعم مالي مباشر في إطار ميثاق الاستثمار، بدل الاكتفاء بإعفاءات ضريبية مؤجلة الأثر.
كما اقترح إقرار تحفيزات ضريبية لفائدة المستثمرين الراغبين في المساهمة في رأسمال المقاولات المبتكرة، من خلال تمكينهم من إسقاط ضريبي سنوي قد يصل إلى 500 ألف درهم، في حدود سقف إجمالي يبلغ مليوني درهم، معتبرا أن مثل هذه الإجراءات معمول بها في عدد من الدول التي نجحت في بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.
وأكد الرهج أن التجارب الدولية أثبتت أن السياسة الجبائية تشكل أداة حاسمة في تشجيع البحث العلمي والابتكار، إذا تم توظيفها بشكل ذكي وموجه نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، مشيرا إلى أن المغرب مطالب اليوم بالانتقال من منطق الدعم التقليدي إلى منطق الاستثمار في المعرفة.
وعاد الأستاذ الجامعي إلى مضامين النموذج التنموي الجديد، معتبرا أن جوهر هذا المشروع الاستراتيجي يقوم على “خلق القيمة والثروة ومناصب الشغل ذات القيمة العالية”، بدل الاقتصار على الأنشطة التقليدية المعتمدة على الجهد البدني منخفض الإنتاجية.
وأوضح أن النموذج التنموي الجديد يربط بشكل مباشر بين التنمية واقتصاد المعرفة، من خلال التركيز على التكوين الجيد، والبحث العلمي المرتبط بالتنمية، ثم الابتكار باعتباره الحلقة الأساسية للوصول إلى اقتصاد تنافسي وعادل يضمن توزيعا منصفا للثروة بين الجهات والفئات الاجتماعية.
وأكد الرهج أن الرهان الحقيقي للمغرب اليوم يتمثل في جعل الجامعة فضاء لإنتاج المعرفة والثروة معا، وربط البحث العلمي بحاجيات الاقتصاد الوطني، حتى لا يبقى مجرد نشاط أكاديمي معزول عن الواقع التنموي للبلاد.
المصدر:
العمق