حين أهداني الطيب الصديقي مرّةً نُسخًا من بعض أعماله المسرحية، أوصاني بأن أكون رحيمًا بها؛ فهي ليست نصوصًا أدبية جيّدة السبك والحبك، بل إن بها فراغاتٍ وثقوبًا وجبَ مُراعاتها أثناء القراءة. فسألتُ المُعلِّم الكبير مُشاكسًا: “لمَ نشرْتَها إذن وهذا رأيُك فيها؟”. فكان جوابه أنهُ نشْرٌ ضروريٌّ على سبيل الأرْشَفة، وأيضًا لتوفير مادَّةٍ لمسرحيّي وباحثي المستقبل. تذكرتُ موليير الذي لم يكن ينصح بقراءة نصوصه المسرحية إلا “أولئك الذين يملكون أعيُنًا قادرة على اكتشافها في جوِّ العرض المسرحي”.
لحسن الحظ، سبق لي مشاهدة العروض التي قدّمها الطيب الصديقي انطلاقًا من هذه النصوص، إنْ مباشرة في المسارح أو على شاشة التلفزيون. وطبعًا كنت متفهّمًا تمامًا وصية فنّاننا الكبير؛ فنصُّه المسرحي يبقى في النهاية مجرد ذريعةٍ للعرض الذي سيقدمه، خصوصًا وأنه هو المُخرج المُؤتَمَن على اكتمالِ عناصر فُرجته المسرحية، وصهْرِ نصِّه ضمن توليفةِ هذا العرض المتكامل.
لذلك، وجدتُ صعوبةً في إقناع الفنان الصديق حسن همّوش وأنا أحاصره منذ أكثر من عَقْد بإعداد نصوصه المسرحية للطباعة والنشر؛ إذ كان يرفضُ بقطْعِية هيجلية. ذاك أن موقف الفيلسوف الألماني “هيجل” حاسمٌ بهذا الخصوص؛ فهو يقول بأنه: “لا يجوز طبع أيِّ نص مسرحي، بل يجب ركنُهُ، وهو مخطوطٌ، في الريبرتوار، ولا ينبغي تداولُه على نطاقٍ واسع”. صوتُ هيجل كان له صدى قوي لدى بريخت وآرتو وبيتر بروك. لكن، بالمقابل، ظلَّ هناك، لحسن الحظ، من يُؤمِن بالنص في ذاته: بالحقِّ في كتابته وطباعته ونشره على ما قد يعتريه من فراغات وثقوب.
بل إن عددًا من المؤلفين كتبوا نصوصهم المسرحية باعتبارها نصوصًا أدبية، ونشروها بناءً عليه وهم غير مشغولين تمامًا بأمر تحويلها إلى عروض. وهناك من نشر نصوصه المسرحية على أمل أن تُوصِل دينامية النشر والتوزيع هذه النصوص إلى أهل المسرح، وإلى المُخرجين على وجه التخصيص. فيما يندرجُ حسن همّوش ضمن الطائفة الثالثة: المؤلفون المخرجون الذين اشتغلوا على نصوصهم كمشاريع في البداية، طوَّروها داخل مختبرات فُرقهم المسرحية وعزَّزوها بمُرتجَلات الممثلين أثناء التداريب ثم عرضوها على المسارح والشاشات. واليوم انتبهوا إلى أن لديهم ذخيرةً تستحق أن تُحفَظ، تمامًا مثلما وضّح الصديقي بدقةٍ: “على سبيل الأرشفة، وأيضًا لتوفير مادَّةٍ لمسرحيّي وباحثي المستقبل”.
لذلك أعْتبِرُ إقدام حسن همّوش على نشر نصوصه المسرحية تِباعًا مبادرةً بالغة الأهمية على هذا المستوى. وأعرف أنَّ مبادرةً من هذا القبيل لها طعم المُجازَفَة؛ ذاك أن قوة الرّجل في رؤيته الإخراجية. فهو فنان عرف دائمًا كيف يستثمر في الجماليات المعاصرة لتجديد الفرجة التي تقدمها فرقَتُه “مسرح تانسيفت”، بدءًا باللعب داخل اللعب، والمسرح داخل المسرح، والاستخدام الذّكي والرَّشيق للموسيقى والغناء في أعماله، والاجتهاد على مستوى المُقترَحات السينوغرافية والملابس وما إليه.
لكنه اليوم يتجرّد من كل هذه الوساطات، ليصافح القارئ عاريًا من الجماليات الدراماتورجية والمُحسِّنات الفرجوية. هكذا يطلُّ علينا حسن همّوش في هذا الكتاب، وفي كتب لاحقة ستليِهِ بالتأكيد، مُكتفيًا بالنص وحده زاهدًا فيما سواه. أمّا وجهُ المُجازفة في هذا الأمر فهو أن بعض النصوص قد تكون هشّةً ضعيفة فيحتالُ عليها المخرج بعناصر دراماتورجية ترفع من سويّة العرض، لكنَّ التَّخفُّف من هذه العناصر واللغات الدرامية قد يفضح النص إذا لم يكن في الأصلِ مُستنِدًا إلى شخصيات مُقنِعة وحبكة جيدة وحوار يجمع ما بين السلاسة والعمق والثراء.
والحقيقة أن مسرحيات حسن همّوش قد اجتهدَتْ كنصوص لتأمين هذه العناصر بما يحفظ لها تماسُكَها وتأثيرها. صحيح أنها نصوصٌ تُراهِنُ على الخطّية الحِكائية وبساطة البناء الدّرامي، وتستند في الغالب على الحكاية الشعبية والخلفية التراثية، إلا أنها عرفت دائمًا كيف تُجسّر الهوّة ما بين هذا المدار الشعبي التراثي، والمرجعية المسرحية العالمية. هكذا مثلًا، اتّكأ همّوش في “كيد الرّجال” (1999) على مسرحية “الجرّة” للشاعر والمسرحي الإيطالي لويجي بيرانديللو، وفي “مرسول الحب” (2000) على “مقالب سكابان” لموليير، وفي “باسو” على “دون كيخوتي” لثيرفانتيس، وفي “ناكر لحسان” (2007) على “الملك لير” لشكسبير، مستثمرًا بشكل خاص العمق الدرامي القويَّ لعلاقة الملك لير ببناته، وفي “ضيف الغفلة” (2015) على “تارتوف” لموليير.
لكن حسن هموش لا يعود في اقتباساته إلى الريبرتوار الغربي فقط، بل يشتغل حتى على النصوص المغربية، بدءًا بمسرحية “الحراز” للكاتب المراكشي الراحل عبد السلام الشرايبي التي استلهمها في “حرّاز عويشة” (2002)، وانتهاءً بقصيدة “الدّار” لسيدي قدور العلمي التي أقام عليها حسن هموش البناء الدرامي لمسرحيته “الساكن” (2019).
وسواء تعلّق الأمر باقتباسٍ أو اسْتِنباتٍ أو مغْرَبَة، فإن حسن همّوش يمارس اشتباكه مع النصوص الأصلية بوعي نقدي جمالي متحرّر؛ فهو لا يتقيّد بالنصوص التي يتخذها مُنطلَقًا لإبداعه، ولا يُلزم نفسه بحواراتها وخُطاطاتها الدرامية، بل يبني عالمه الدّرامي الأليف بحرية، فيُوَطِّنُهُ في السياق المغربي ويَسِمُه بميْسَمِه الفني الخاص. هكذا لن يجد القارئ فروقًا كبيرة في الرؤية والأسلوب ما بين اقتباساته والأعمال التي تُعدُّ من خالص إبداعه كـ”دارت بنا الدُّورة” (2012)، و”آحلُّو الباب” (2017)، و”باب المدينة” (2022).
فالحوار في كل هذه الأعمال حيٌّ ديناميُّ كاشفٌ عن الحبكة مساهمٌ في بنائها، وهو إلى ذلك انسيابيٌّ سلِسٌ لا تكلُّف فيه. أما اللغةُ فعامّيةٌ سهلةُ المَأخَذ، تتواشج داخلها دارِجةُ الحياة اليومية مع الأمثال والمأثورات الشعبية و”المْعَاني” و”القْوافي” المراكشية المُتبَّلة، إضافة إلى التَّلاعُب الفَكِه بالكلمات الذي يُزيِّن حواشي هذه النصوص، بل ومُتونها أحيانًا بتطاريز مُحبّبة.
ورغم أن ما يشغلنا في هذا المقام هو التركيز على حسن همّوش مؤلِّفًا، فإننا لن نستطيع تجاهل تلك الرؤية المسرحية الخلاقة التي جعلت حسن هموش يصنع من هذه النصوص وأخرى لكُتّابٍ مغاربة آخرين ربيعًا مسرحيًا دام لمدة ربع قرن من خلال الفرقة التي يتولّى إدارتها الفنية والإدارية: “مسرح تانسيفت”.
فقد صارت هذه الفرقة التي أسّسها حسن هموش سنة 1997 رفقة رفيق دربه محمد الورّادي مضرب مثلٍ في الاستقرار الفني، حيث تشتغل منذ ربع قرنٍ بوتيرة منتظمة وبمعدل ثلاثين عرضًا في السنة. بل إن هذه الفرقة ستفلحُ في أكثر من عرض في تحقيق المعادلة الصعبة: كسب احترام النقاد والمتخصصين، وتأمين الإقبال الكبير للجمهور العريض على أعمالها في الآن ذاته. ويكفي أن نذكر هنا عناوين “كيد الرجال”، “مرسول الحب”، “ناكر لحسان”، لنجد أنفسنا أمام أعمال ناجحة يتكرّر بثُّها على شاشات التلفزيون بالمغرب؛ لأنها نجحت بفضل خفة دمها وحيوية حواراتها وذكاء فكرتها وبراعة ممثليها في نيل استحسان مختلف شرائح المجتمع متعلمين وأميين، ومختلف الفئات العمرية بما في ذلك الأطفال.
كنا تلميذين في الثانوي حين التقيتُ حسن همّوش أول مرة. حضرتُ حفلًا فنيًا نظمه حسن ورفاقه بالثانوية التقنية “ولي العهد” حيث كان يدرس، وهناك شاهدته أول مرة فوق الخشبة. كان عرضًا تلاميذيًا لا إثارة فيه، لكن تكفي جسارة صاحبه واجتراؤه على الخشبة التي كنا نحن نتهيّب من اعتلائها. علمتُ من حسن يومئذٍ أنه ألّف مسرحية تحت عنوان “فلسطين في محكمة قاضيها الزمن” سنة 1982 واشتغل عليها رفقة زملائه في نادي المسرح التابع لثانوية يوسف بن تاشفين بسيدي يوسف بن علي. كان واثقًا في نفسه مؤمنًا بقدراته.
بقينا نحن في مراكش نمارس شغفنا المسرحي ضمن فرق الهواة، نخلط المسرح بالسياسة، ونناقش بحماسة أعمال زملائنا في مسرح الهواة بقاعة دار الشباب “عرصة الحامض”، فيما انسلّ حسن من بيننا ويمّم شطر الرباط ليتلقى تكوينه الأكاديمي في معهدها العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي. وإن هي إلا سنوات حتى عاد بمسرحية “جرات الريح” من تأليفه وإخراج يوسف آيت منصور، وهي المسرحية التي تابعتُها سنة 1998 بورززات حيث كنت أعمل وأقيم.
ومن يومها وأنا متابعٌ لكل أعمال هذه الفرقة التي أجد فيها كغيري من المراكشيين امتدادًا ذكيًا متجددًا لفرجة فرقة “الوفاء المراكشية”، وتكريسًا لمشروع الطيب الصديقي والطيب لعلج في إنتاج فرجة مسرحية مغربية تعرف كيف تستفيد من فنون فرجتنا الشعبية وذخيرتنا الحية من الأشكال ما قبل المسرحية، دون أن يمنعها ذلك من تجديد عناصرها الدّراماتورجية والسينوغرافية بما يمكّن الفرجة من الانسجام داخل ثوابت الفن الدّرامي وأسسه، والانفتاح في الآن ذاته على تطلُّعات الجمهور الواسع الذي يحتاج إلى مجهود فني وديداكتيكي لمُصالحته مع قاعات العرض.
ولأن العرض يبدأ من النص، فلنبدأ مع حسن همّوش كاتبًا أوّلًا، ولنبدأ بـ”ناكر لحسان” و”دارت بنا الدُّورة”.. وقراءة ممتعة أرجوها لكم.
المصدر:
هسبريس