اعتبر أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أحمد بوز، أن هشاشة القطاع الإعلامي في المغرب وارتباط عدد من المؤسسات الصحافية بالدعم العمومي وعائدات الإشهار يطرحان تساؤلات حقيقية حول استقلالية القرار التحريري، مبرزا أن التنظيم الذاتي للصحافة في المغرب يكشف أزمة بنيوية عميقة تتعلق بتمثيلية المهنة وهشاشة استقلاليتها.
وأكد بوز، في مداخلة له بمناسبة انعقاد المجلس الوطني للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، اليوم السبت، تحت عنوان «حرية الإعلام في ظل عالم متغير»، أن الحديث عن حرية الصحافة وحقوق الإنسان في السياق الراهن لم يعد نقاشًا مهنيًا محصورًا في المجال الإعلامي أو في دائرة الصحافيين فحسب، بل أصبح جزءًا من النقاش الكوني حول مستقبل الديمقراطية وحقوق الإنسان في عالم يشهد تحولات عميقة ومتسارعة تمس بنية المجال العمومي ذاته وبالعلاقة بين الدولة والمجتمع والفرد.
وأوضح الأستاذ الجامعي أن النقاش حول حرية الصحافة لم يعد مجرد نقاش قطاعي، بل بات في صلب النقاشات الكبرى حول مستقبل الديمقراطية وحقوق الإنسان، معتبرًا أن الصحافة اليوم تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمعات على ضمان الحق في المعرفة والاختلاف والكرامة الإنسانية داخل عالم يعيش تحولات متسارعة وغير مسبوقة.
إشكالات الإعلام المغربي والتنظيم الذاتي للمهنة
في حديثه عن السياق المغربي، اعتبر بوز أن التجربة المغربية معقدة ومركبة، إذ تجمع بين تطور مهم في مجال الاعتراف الدستوري بحرية التعبير والصحافة وحقوق الإنسان، خاصة بعد دستور 2011، وبين استمرار إشكالات تتعلق باستقلالية الإعلام وهشاشته الاقتصادية وعلاقته المعقدة بالسلطة.
وأشار إلى أن هذا التطور رافقته أيضًا صعوبات مرتبطة بتمويل المؤسسات الإعلامية واعتمادها على الدعم العمومي أو العقود الإعلانية مع مؤسسات الدولة، وهو ما يثير تساؤلات حول استقلالية القرار التحريري.
وتحدث عن إشكال الإشهار وتوزيعه، معتبرًا أن المعايير الاقتصادية المفترضة، القائمة على نسب المشاهدة والانتشار، لا تُحترم دائمًا، ما يثير تساؤلات حول شفافية هذا القطاع، مشيرا إلى أن الإعلام الرقمي، رغم ما أتاحه من فرص للتعبير، أصبح أيضًا مجالًا للاستقطاب والتضليل والتشهير، مما أثر على جودة النقاش العمومي.
وتوقف عند النقاش الدائر حول التنظيم الذاتي للمهنة وإحداث المجلس الوطني للصحافة، معتبرًا أنه يعكس في العمق سؤال النموذج المطلوب لتنظيم القطاع الإعلامي، بين منطق الاستقلال المهني ومنطق التدبير الإداري.
وأكد أن التنظيم الذاتي الحقيقي يفترض وجود مؤسسات قوية وصحافيين مستقرين مهنيًا واقتصاديًا وثقافة ديمقراطية راسخة، في حين أن هشاشة القطاع تجعل هذا الورش عرضة للتوتر والصراع حول التمثيلية والشرعية.
وشدد على أن الدفاع عن حرية الصحافة وحقوق الإنسان في عالم متغير لا يمكن أن يكون مجرد شعار أو موقف عاطفي، بل يجب أن يتحول إلى مشروع ديمقراطي متكامل يقوم على حماية الحق في المعرفة، وضمان استقلالية الإعلام، وتعزيز أخلاقيات المهنة، وترسيخ الوعي بأن حرية الصحافة ليست تهديدًا للديمقراطية بل شرطًا أساسيًا لها.
تحولات حرية الصحافة بين الهاجس الأمني والثورة الرقمية
كما توقف بوز عند السياق الرمزي لتزامن هذا النقاش مع ذكرى تفجيرات 16 ماي 2003، التي وصفها بأنها لحظة أليمة شكلت جرحًا عميقًا في الذاكرة الجماعية المغربية، بعدما استهدفت أعمال إرهابية غادرة أمن المجتمع وتعدديته واستقراره.
واعتبر أن استحضار هذه الذكرى لا يقتصر على بعدها الإنساني المرتبط بترحم على الضحايا وإدانة الإرهاب، بل يمتد إلى دلالاتها السياسية والمؤسساتية التي أعقبتها، حيث دخل المغرب مرحلة جديدة اتسمت بتعاظم الهاجس الأمني في مقابل اتساع النقاش حول الحريات وحقوق الإنسان وحرية الصحافة.
وفي هذا السياق، شدد على أن تلك المرحلة طرحت إشكالية دقيقة تتعلق بالتوازن بين حماية الأمن الجماعي وضمان الحقوق والحريات، وهي معادلة وصفها بالصعبة والمعقدة، خاصة في سياقات يتصاعد فيها الخوف من التهديدات الأمنية الحقيقية.
وأضاف أن تجارب دولية عديدة أظهرت أن فترات الأزمات الأمنية الكبرى غالبًا ما تتحول إلى اختبارات حقيقية للديمقراطية، حيث يبرز الميل إلى التضييق باسم الأمن، ويصبح الإعلام عرضة لضغوط مباشرة أو غير مباشرة، سواء عبر الرقابة أو عبر وصم النقد باعتباره تهديدًا للاستقرار.
وأكد المتحدث أن الدفاع عن حرية الصحافة لا يعني التقليل من مخاطر الإرهاب أو من ضرورة حماية الأمن، بل يعني التمسك بالتوازن بين متطلبات الدولة في حماية الأمن العام وبين ضمان الحقوق الأساسية والحريات الفردية والجماعية.
وذهب إلى أن الأمن، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون وحده كافيًا لمواجهة ظاهرة الإرهاب، لأن هذه الأخيرة ترتبط أيضًا بعوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية وفكرية معقدة، ولا يمكن اختزالها في بعدها الأمني فقط.
وانتقل بوز في مداخلته إلى التحولات العميقة التي عرفها مفهوم الإعلام ذاته، معتبرًا أن الحديث عن حرية الصحافة اليوم لا يمكن أن يتم بنفس الأدوات التقليدية السابقة، في ظل الثورة الرقمية التي غيرت طبيعة المجال العمومي وأعادت تشكيل العلاقة بين الفاعلين فيه.
وأوضح أن الصحافة التقليدية كانت مرتبطة بمؤسسات واضحة المعالم مثل الجرائد والإذاعات والقنوات التلفزية وهيئات التحرير، وكانت تلعب دور الوسيط بين الحدث والرأي العام، وبين السلطة والمجتمع، كما كانت أداة مركزية في كشف الانتهاكات والدفاع عن الحقوق.
غير أن هذه المعادلة، بحسب بوز، تعرضت لاهتزاز عميق مع صعود الفضاء الرقمي، حيث لم تعد المؤسسات الإعلامية التقليدية وحدها تتحكم في إنتاج الخبر وتوزيعه، بل أصبح أي فرد يمتلك هاتفًا ذكيًا قادرًا على إنتاج محتوى يصل إلى ملايين المتلقين في وقت وجيز، مما أدى إلى انهيار الحدود الفاصلة بين الصحافي والمتلقي، وبين الخبر والرأي، وبين المعلومة والإشاعة.
واعتبر أن هذا التحول أفرز واقعًا مزدوجًا، إذ أسهم من جهة في كسر احتكار المعلومة وفتح المجال أمام أصوات جديدة كانت مهمشة، وهو مكسب مهم من زاوية حرية التعبير والتعددية، لكنه من جهة أخرى ساهم في انتشار الأخبار الزائفة وخطابات الكراهية والتشهير والتضليل، مما جعل المجتمعات تعيش منطق «فائض المعلومات» بدل «ندرتها»، وأصبح التحدي الأكبر هو القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف.
الحق في الحقيقة وأزمة الثقة في الديمقراطيات المعاصرة
وفي هذا الإطار، طرح سؤالًا جوهريًا يتعلق بما سماه «الحق في الحقيقة»، معتبرًا أن الإشكال لم يعد يقتصر على حماية حرية التعبير، بل يتعداه إلى حماية الحق في المعلومة الصحيحة، وضمان التوازن بين حرية التعبير وبين حماية الكرامة الإنسانية والحياة الخاصة وعدم التحريض على العنف والكراهية.
وأشار إلى أن الخطر اليوم لم يعد نابعًا فقط من رقابة الدولة، بل أيضًا من سلطة المنصات الرقمية والخوارزميات والشركات التكنولوجية الكبرى التي تتحكم في تدفق المعلومات وتشكيل الرأي العام.
كما لفت إلى أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على الإعلام وحده، بل تمتد إلى أزمة أعمق تمس الديمقراطية وحقوق الإنسان على المستوى العالمي، حيث أصبحت الثقة في المنظومة الحقوقية نفسها موضوع تساؤل ونقاش.
وأوضح أن حتى الديمقراطيات الغربية، التي تقدم نفسها تاريخيًا كحاضنة لحرية التعبير، تعيش اليوم توترات داخلية عميقة، كشفت حدود النموذج الليبرالي في تعامله مع قضايا الحقوق والحريات.
واستحضر في هذا السياق ما جرى خلال العدوان الإسرائيلي على غزة، حيث تابع العالم، وفق تعبيره، مظاهر تضييق على أصوات أكاديمية وإعلامية وحقوقية في بعض الدول الغربية، سواء عبر منع تظاهرات أو ممارسة ضغوط على صحافيين ومثقفين أو خلق مناخ يجعل بعض المواقف تُعتبر غير مقبولة أخلاقيًا أو سياسيًا، معتبرًا أن ذلك يكشف عن تناقضات عميقة داخل الخطاب الديمقراطي الغربي وإشكالية المعايير المزدوجة في التعامل مع حرية التعبير.
وانتقل بوز إلى سؤال تعريف الصحافي في السياق المعاصر، متسائلًا عن مدى استمرار ارتباط المهنة بالمعايير التقليدية القائمة على الأجر والمؤسسة الإعلامية، في ظل ظهور فاعلين جدد في الفضاء الرقمي لا ينتمون إلى مؤسسات إعلامية تقليدية لكنهم ينتجون محتوى مؤثرًا في الرأي العام.
وأوضح أن هذا التحول يطرح إشكالًا قانونيًا ومهنيًا عميقًا: هل تُعرف الصحافة من خلال المؤسسة والعقد المهني أم من خلال الوظيفة والمضمون؟ وهل يمكن التوسع في تعريف الصحافي دون الوقوع في فوضى إعلامية تمس أخلاقيات المهنة؟ معتبرًا أن هذا السؤال لا يزال مفتوحًا ويحتاج إلى تفكير جديد في ضوء التحولات الرقمية.
المصدر:
العمق