عاشت الأغلبية النيابية، أمس الخميس، يوما عصيبا كاد أن يعصف بتماسكها، بعدما تفجرت خلافات حادة حول تعديلات مشروع قانون مهنة المحاماة. ولم تتمكن مكونات التحالف من الحفاظ على “كلمة رجل واحد” خلال مناقشة ولوج طلبة وأساتذة كليات الشريعة للمهنة، بالإضافة إلى التعديل الحكومي الذي يقضي بحذف النقباء السابقين من عضوية مجلس الهيئة.
وقد لخص برلماني عن الأغلبية ملامح هذه الأزمة حتى قبل انطلاق الاجتماع الذي تأخر عن موعده بساعة، حين ولج القاعة المغربية بمجلس النواب مرددا بصوت عال: “اليوم غادي تنوض الروينة”، وهو ما تحقق فعلا حين وقع أول صدام بمساندة الفريق الاستقلالي لتعديل قدمته المجموعة النيابية للعدالة والتنمية يقضي بولوج طلبة كليات الشريعة لمهنة المحاماة.
وفي إطار دفاعه عن هذا التعديل، أكد النائب عن الفريق الاستقلالي عبد المنعم الفتاحي أن استبعاد خريجي كليات الشريعة، الذين لا يتجاوز عددهم حوالي 200 خريج سنويا بفاس وأكادير، يفتقر إلى مسوغ منطقي، خاصة وأنهم يقبلون في مسارات مهنية مرتبطة بالقضاء وخطة العدالة، متسائلا عن سبب حرمانهم من المحاماة رغم دراستهم لمواد قانونية رصينة تؤهلهم لاجتياز المباريات.
ومن جانبه، شدد النائب الاستقلالي نور الدين مضيان على أن التكوين داخل كليات الشريعة ليس “دينيا صرفا”، بل يشمل مواد قانونية أساسية مثل القانون الجنائي، العقود والالتزامات، والقانون المدني، معتبرا أن خريجي هذا المسار يمتلكون قدرة على استيعاب روح القوانين المغربية المستمدة جزئياً من المرجعية الفقهية.
في المقابل، اعتبرت النائبة عن فريق التجمع الوطني للأحرار، زينة إدحلي، أن مهنة المحاماة تتطلب إلماما شاملا بجميع فروع القانون، وهو ما لا توفره كليات الشريعة التي تركز أساسا على الفقه والعقيدة والفقه المقارن، محذرة من منطق “القياس” في فتح المهن القانونية، كونه قد يخلق سابقة تسمح مستقبلاً بولوج مهن أخرى دون تكوين متخصص كالتوثيق أو التخصصات الدقيقة.
ومن جهتها، تبنت البرلمانية قلوب فيطح موقفا أكثر حدة، حيث اعتبرت أن شهادات كليات الشريعة “لا تفيد المحاماة في شيء”، مؤكدة أن تطوير منظومة العدالة يقتضي تشديد معايير الكفاءة لمواكبة التحولات القانونية والاقتصادية المعقدة، وعدم الاكتفاء بتكوين يرتبط أساساً بالفقه أو الأحوال الشخصية.
أما النائب سعد بنمبارك فقد دخل على خط النقاش معتبرا أنه إذا كان الاتجاه هو توسيع قاعدة الولوج، فإن خريجي الاقتصاد والمالية أولى بذلك، بالنظر إلى ارتباط المحاماة الحديثة بملفات الاستثمار والشركات والتركيبات المالية التي لا تغطيها التكوينات التقليدية في الشريعة.
ولم يتوقف السجال عند هذا الحد، بل اصطدم الفريق الاستقلالي من جديد بزميليه في الأغلبية “الأحرار” و”البام”، بعدما تلا الفتاحي تعديلا باسم الأغلبية يتضمن فتح أبواب المهنة لأساتذة كليات الشريعة أسوة بأساتذة القانون، وهو التعديل الذي تبرأ منه فريقا التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة.
ولم تتمالك البرلمانية زينة إدحلي نفسها وهي تنصت لزميلها يتلو التعديل، حيث ردت بنبرة حادة: “راه هضرنا على الشريعة”، بما مفاده أن الموضوع حسم بالنسبة لهم، ليرد عليها نور الدين مضيان غاضبا: “نحن نتحدث عن أستاذ القانون في كلية الشريعة، حاصل على دكتوراه الدولة في كلية الشريعة، مالكم عاوتاني واش حتى هادي عاود”.
هذه النبرة الحادة لم ترق لفريق “البام”، حيث تفاعلت قلوب فيطح بقولها: “لن نرد عليك السيد النائب”، غير أن مضيان استمر في محاولة إقناعهم قائلا: “أستاذ القانون عندي دكتوراه الدولة في القانون الخاص في كلية الشريعة مدة 34 سنة كما أدرس بكليات أخرى، العبرة بالشهادة المحصل عليها”.
وهنا حاول وزير العدل عبد اللطيف وهبي امتصاص سوء التفاهم بتقديم شروحات تقنية، موضحا أن الأستاذ الذي يدرس في كليات تقنية له الحق في الولوج بصفته متخصصا في القانون وليس لكونه يدرس في كلية الحقوق، قبل أن ينهي كلامه بنوع من الإحباط قائلا: “دبرولراسكم”.
من جهته، أكد الفتاحي تمسك الفريق الاستقلالي بموقفه قائلا: “نحن نقول دكتوراه في القانون سواء كان عاما أو خاصا، المهم أنه يدرس مواد القانون وله قيمة مضافة، وبالنسبة للسن نحن مع الأغلبية في 55 سنة”، لترد فيطح: “هذا موقفكم فقط”، مما دفع الفتاحي للرد: “من هنا لفوق كل فريق غادي يتدخل بوحدو”.
وبعدما استشعر وهبي خطورة الوضع وإمكانية أن تنفجر أغلبيته خلال التصويت على مشروع قانون مصيري كقانون المحاماة، شدد على أن “تعديلات الأغلبية يجب أن تقدم باسمها المشترك”، قبل أن يكمل الفريق الاستقلالي احتجاجاه حيث قال الفتاحي: “لا يجب أن تتطاول علينا” (موجها كلامه للنائبة عن البام قلوب فيطح)، “وأصبحنا نقاطع من طرف الأغلبية”، قبل أن يتدخل البرلماني التجمعي سعد بنمبارك في محاولة لترميم التصدع بقوله: “نموتو معك”.
ولتجاوز هذه الأزمة، اقترح وزير العدل عبد اللطيف وهبي، صيغة جديدة للمادة مثار الجدل، بالتنصيص على إعفاء أساتذة التعليم العالي في تخصص القانون من الحصول على شهادة الكفاءة لمزاولة مهنة المحاماة، كما يعفون من التمرين المنصوص عليه في المادة 11، مع إلزامهم بقضاء سنة واحدة فقط من التمرين داخل مكتب محام يعينه النقيب.
وبينما بدأ التعب يتسلل إلى النفوس، فاجأ وهبي اللجنة بتعديل أعاد التوتر للقاعة، حيث دفع بتعديل على المادة 122 يقضي بحذف “النقباء السابقين” من مجلس الهيئة، وهو ما فجر غضب الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار، حيث أكد البرلماني سعد بنمبارك أن هذا المقتضى لا يجب أن يمر لأنه فيه مساس بالمكتسبات ومكانة النقباء، ملمحا إلى أن الوزير وكأنه بهذا التعديل يريد تصفية الحسابات مع هذه الفئة.
واصطف الفريق الاستقلالي إلى جانب وهبي مدافعا هو الآخر عن حذف النقباء السابقين، حيث اعتبر البرلماني عبد المنعم الفتاحي بأن النقباء الذين تتجاوز أعمارهم 75 سنة لا يشكلون قيمة مضافة، ولا يحضرون إلا للتأثير في القرارات. وأمام تعالي الأصوات وبلوغ الاحتقان ذروته، اضطر رئيس اللجنة، سعيد بعزيز، لرفع الاجتماع للتشاور، قبل أن يعود الجميع للقاعة بعد إيجاد حل وسط أعاد توزيع نسب تمثيلية الفئات المهنية داخل مجلس الهيئة.
المصدر:
العمق