هبة بريس – الدار البيضاء
عممت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية خطبة الجمعة على مختلف خطباء و أئمة مساجد المملكة، و هي الخطبة التي اختير لها موضوع صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم وأهم دروسها، و جاءت كالتالي:
الخطبة الأولى
الحمد لله الكريم المجيد، الذي أكرمنا بدين التوحيد، نحمده تعالى أن جعلنا من خير أمة أخرجت للناس، فأنزل علينا خير كتبه، وجعل قدوتنا خير رسله،
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا*****من العناية ركنا غير منهدم
لما دعا الله داعينا لطاعته*****بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، الرحمة المهداة والنعمة المسداة، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الطيبين، وصحابته الغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛ معاشر المؤمنين والمؤمنات، فيقول الله تعالى:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِے رَسُولِ اِ۬للَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ا۬للَّهَ وَالْيَوْمَ اَ۬لَاخِرَ وَذَكَرَ اَ۬للَّهَ كَثِيـراً﴾[1].
عباد الله؛ انطلاقا من هذه الآية الكريمة التي تأمرنا بالاقتداء بالنبي صلى الله وسلم عليه في كل أمورنا، نتناول اليوم الحديث عن حجة النبي صلى الله وسلم عليه، تلك الحجة العظيمة التي حجها في الإسلام وأمرنا أن نتأسى ونقتديَ به فيها، تنزيلا لأحكام ومعاني هذه الفريضة، وبيانا لمقاصدها وغاياتها الكبرى.
روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، صفة حجة النبي صلى الله وسلم عليه[2]، مطولة نختصرها اختصارا.
وذلك أن النبي صلى الله وسلم عليه أمضى تسع سنوات في المدينة ودعا في العاشرة إلى الحج، فاجتمع لذلك خلق كثير، كلهم يلتمس أن يأتمَّ ويقتدي بالنبي صلى الله وسلم عليه، ويعمل مثل عمله، فلما بلغ صلى الله وسلم عليه المكان المسمى ذا الحليفة -وهو ميقات أهل المدينة- اغتسل وصلى، فلما استوت به راحلته لبى بالتوحيد، فلبى الناس بتلبيته، وكانوا لا يعرفون العمرة في أشهر الحج، فلما بلغ النبي صلى الله وسلم عليه وادي العقيق، قال:
«أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي، وَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ»[3]
فلما وصل النبي صلى الله وسلم عليه إلى مكة، اسْتَلَمَ الحجر الأسود، فطاف سبعة أشواط طواف القدوم، ثم صلى خلف المقام، وسعى بين الصفا والمروة، ثم أمر الصحابة الذين ليس معهم هدي أن يتحللوا ويجعلوها عمرة، وكان ذلك تشريعا لنُسُك التمتع، فلما كان يوم التروية خرج صلى الله وسلم عليه إلى منى استعدادا للوقوف يوم عرفة حيث ضُربت له قبة بنَمِرة، فصلى الظهر والعصر جمعا وقصرا، وخطب خطبته المعروفة بخطبة الوداع. ووقف عند جبل عرفة وقال:
«وَوَقَفْتُ هَهُنَا. وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ»[4]
. توسعةً على الأمة.
ثم أفاض إلى مزدلفة بعد تحقق الغروب، وهو ممسك بخُطام ناقته ويقول:
«أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ»[5]
-أي الإسراع-.
ونزل بالمزدلفة فصلى المغرب والعشاء وبات بها، وأَذِن للنساء والضَّعَفة بالانصراف إلى منى بالليل. لما روى النسائي في سننه أن ابن عباس قال:
«أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله وسلم عليه فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ، فَصَلَّيْنَا الصُّبْحَ بِمِنًى، وَرَمَيْنَا الْجَمْرَةَ»[6].
ثم رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس، ووعظ ونصح وبيَّن للناس مناسكهم، ويقول صلى الله وسلم عليه:
«خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»[7].
ثم رمى الجمرات الثلاث في أيام التشريق الثلاثة بدءا بالجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى. ويدعو بينها.
وكانت حجته صلى الله وسلم عليه كلها مليئة بكل أنواع الذكر كالتحميد والتكبير والتهليل والدعاء، معلِّما ناصحا ومربيا مزكيا، وكان كلما سُئل عن شيء قُدِّم أو أُخِّر قال:
«اِفْعَلْ وَلَا حَرَجَ»[8].
عباد الله؛ هذه خلاصة حجة النبي صلى الله وسلم عليه، فليس فيها تعقيد أو تعسير أو إحراج بل كلها يسر وتيسير، مع ملء الأوقات والساعات بذكر الله، الذي من أجله شرعت هذه الشعائر، في الزمان والمكان، تدريبا للناس على الامتثال والاتباع، وبعيدا عن الانحراف والابتداع.
نفعي الله وإياكم بقرآنه المبين، وبحديث سيد الأولين والآخرين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله ولي الصالحين، والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها المؤمنون والمؤمنات؛ إن المتأمل في صفة حجة النبي صلى الله وسلم عليه يجد
أن الرسول صلى الله وسلم عليه علمنا المناسك وعلمنا من خلالها التوحيد، حيث لبى بالتوحيد، وخالف المشركين فيما لم يكن من مناسك إبراهيم عليه السلام.
وأنه صلى الله وسلم عليه سلك مسلك الرفق بأصحابه، حيث أمرهم بالتحلل للعمرة قبل أيام الحج، على غير عادة العرب قبل الإسلام، إذ يمنعون العمرة في أشهر الحج، ويقولون:
«إِذَا بَرَا الدَّبَرُ، وَعَفَا الْأَثَرُ، وَانْسَلَخَ صَفَرُ، حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرَ»[9]
. فأبطل النبي صلى الله وسلم عليه هذا الأمر وأعاد كثيرا من مناسك الحج إلى نصابها، فكانت حجته صلى الله وسلم عليه طبقا لما شرع الله لإبراهيم عليه السلام والأنبياء من بعده.
وأن الرسول صلى الله وسلم عليه بنى حجه ومناسكه على التيسير، فما سئل عن شيء قُدِّم أو أُخِّر إلا قال:
«اِفْعَلْ وَلَا حَرَجَ»
. مما يجعل المناسك مبنية على اليسر والسهولة، وليس على العسر والصعوبة، وأن ما يراعيه العلماء من التيسير على حجاج بيت الله الحرام من صميم السنة ولُبُّ الشريعة، كالصعود إلى عرفة مباشرة من مكة لما في المرور بمنى يوم التروية من المعاناة، مع أنه من المستحبات التي لا يترتب على تركه شيء، بل يوفر للحجاج الراحة والمحافظة على الصحة حتى يتموا مناسكهم على أحسن الظروف والأحوال. وكذلك الاكتفاء بالمرور بمزدلفة لمن تعذر عليه النزول بها، لظروف قاهرة، والنيابة في الرمي للعجزة والمرضى والصبيان، إذ لا تكليف بما لا يطاق.
وأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا حريصين أشد الحرص على الاقتداء بالنبي صلى الله وسلم عليه مقتفين لآثاره في الحج ومتبعين له في أموره كلها، مما يجعل المؤمن حريصا على اتباع سنة الرسول صلى الله وسلم عليه المطهرة، والاستفادة من سيرته العطرة.
كما نستفيد من حجة الوداع مقاصد هذه الرحلة الروحية العظيمة من خلال خطبة الوداع وخُطَب النبي صلى الله وسلم عليه في منى، من التوصية بالتقوى والإيمان والعمل الصالح، والتوصية بالكتاب والسنة، وبالمحافظة على الأنفس والأعراض والأموال، وذلك ما سيكون موضوع الخطبة المقبلة بحول الله تعالى.
فاتقوا الله، عباد الله، وأكثروا من الصلاة والسلام على معلم الناس الخير، سيدنا محمد صلى الله وسلم عليه، فاللهم صل وسلم على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.
وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب أجمعين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.
وانصر اللهم من وليته أمر عبادك، وبسطت يده في أرضك وبلادك، مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمدا السادس، نصرا تعز به الدين، وترفع به راية الإسلام والمسلمين، اللهم احفظه بالسبع المثاني والقرآن العظيم وبارك له في الصحة والعافية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزره بشقيقه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنك سميع مجيب.
وتغمد اللهم بواسع رحمتك، وعظيم فضلك وجودك، الملكين الجليلين المجاهدين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن، الثاني اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجعلهما في مقعد صدق عندك.
اللهم ارحمنا وارحم والدينا، وآباءنا وأمهاتنا، وسائر موتانا وموتى المسلمين.
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
المصدر:
هبة بريس