آخر الأخبار

خبير بأكاديمية الحسن الثاني يحذر من “فراغ قانوني” يهدد خصوصية الحمض النووي للمغاربة

شارك

حذر عبد العزيز السفياني، عضو أكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات، من المخاطر المتزايدة المرتبطة باستعمال المعطيات الجينية، معتبراً أنها “أخطر” من المعطيات الشخصية التقليدية، لأنها لا تكشف فقط هوية الفرد ووضعه الصحي، بل تمتد إلى كشف أسرار عائلات بأكملها وخصائص مجموعات سكانية ومناطق بعينها، داعياً إلى تعزيز حماية الحمض النووي للمغاربة ووضع إطار تنظيمي صارم يؤطر التحاليل الجينية واستعمال البيانات المرتبطة بها، خاصة في ظل غياب قوانين واضحة تنظم هذا المجال بالمغرب.

وفي هذا الصدد، أكد السفياني، خلال مداخلة له في ندوة علمية نظمتها اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، الإثنين بالرباط، حول حماية المعلومات الجينومية، أن الطب يعيش اليوم ثورة حقيقية مرتبطة بالتحولات العميقة التي أحدثها الطب الجينومي، القائم على دراسة المادة الوراثية والجينات.

وشدد على أن النقاش حول البيانات، وخاصة البيانات الجينومية، لم يعد شأناً تقنياً صرفاً، بل أصبح قضية علمية وطبية واجتماعية وفلسفية في الآن نفسه، بالنظر إلى ما تتيحه هذه المعطيات من إمكانيات غير مسبوقة في التشخيص والعلاج والتنبؤ بالأمراض، وما تطرحه في المقابل من تحديات تتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.

وأوضح السفياني أن تسلسل الجينوم البشري الذي تم إنجازه ونشر نسخته الأولى ما بين سنتي 2000 و2004، شكل ثورة حقيقية في مجال البيولوجيا والطب، مبرزاً أن هذا المشروع استغرق حوالي 15 سنة بمشاركة دولية واسعة، وبلغت تكلفته نحو 3 مليارات دولار، اعتماداً على تقنية “تسلسل سانجر”.

وأشار إلى أن أولى النتائج الكبرى التي أتاحها هذا التسلسل تمثلت في اكتشاف أن البشر متطابقون تقريباً على المستوى الجيني بنسبة تصل إلى 99.6 في المائة، فيما لا تتجاوز نسبة الاختلافات 0.4 في المائة، وهي النسبة التي تفسر الفوارق الفردية بين الأشخاص وبين الأنواع الأخرى، مضيفاً أن الدراسات الحالية كشفت وجود ما بين 4 و5 ملايين متغير مختلف على مستوى الحمض النووي، تتعلق في الغالب بتغييرات بسيطة في قاعدة أو قاعدتين من الـDNA.

وأضاف أن أغلب هذه المتغيرات لا تترتب عنها انعكاسات طبية، غير أن بعضها، وخاصة المتغيرات النادرة، يفسر ظهور عدد من الأمراض، خصوصاً الأمراض أحادية الجين التي تنتج عن طفرة واحدة في جين واحد، مؤكداً أن الطب اكتشف بفضل تسلسل الجينوم أن ما كان يُنظر إليه سابقاً كمرض واحد يخفي في الحقيقة عدة أنواع من الاعتلالات المرتبطة بالجين الذي حدثت فيه الطفرة.

وسجل المتحدث أن هذا التطور سمح بإجراء تشخيصات دقيقة اعتماداً على دراسة المتغيرات والطفرات الجينية لدى المرضى، موضحاً أن أهمية هذه التشخيصات لا تقتصر على تحديد المرض فقط، بل تشمل أيضاً معرفة مآله وتطوره وطريقة انتقاله، إضافة إلى الإمكانيات العلاجية المتاحة أو المرتقبة.

وفي استعراضه للتطور التكنولوجي المرتبط بالجينوم، أوضح السفياني أن التقنيات بدأت بالوراثة الخلوية، قبل أن تظهر تقنيات “تسلسل سانجر”، ثم “تسلسل الجيل التالي”، مشيراً إلى أن المغرب تمكن من إدخال معظم هذه التكنولوجيات، وأنه لا يوجد اليوم مشكل حقيقي على مستوى نقل التكنولوجيا، باعتبار أن أغلب التقنيات أصبحت متوفرة داخل المملكة.

وتابع أن طرق التعامل مع تسلسل الحمض النووي تختلف حسب الحالة المرضية، إذ يمكن اللجوء إلى “التسلسل المستهدف” عند البحث عن طفرة محددة كما هو الحال في تشخيص فقر الدم المنجلي، أو اعتماد “تسلسل الجيل التالي” الذي يسمح بتسلسل الجينوم كاملاً أو “الإكسوم” أو لوحات جينية ومناطق محددة وفق الحاجة الطبية والعلمية.

وأكد أن القيمة الحقيقية للطب الجينومي لا تكمن فقط في عملية التسلسل، بل في القدرة على الربط بين النمط الجيني والنمط الظاهري، أي بين الجين والمرض، من خلال التمييز وسط ملايين المتغيرات بين تلك المسؤولة فعلاً عن المرض وتلك الحميدة أو غير المعروفة الأهمية حالياً، مشيراً إلى أن الطب الجينومي الحديث يقوم أساساً على البحث عن المتغيرات والتعديلات التي تفسر ظهور الأمراض والصفات السريرية.

وأوضح أن هذه البيانات تصبح أكثر حساسية عندما يتم ربطها بهوية الشخص المعني، كأن يتعلق الأمر بمريضة معروفة الاسم والعمر والنسب وتعاني من سرطان الثدي في إطار عائلي، مشيراً إلى أن المعطيات الجينية تختلف عن باقي البيانات الشخصية لأنها لا تخص الفرد وحده، بل تمتد إلى العائلة بأكملها، سواء المرضى أو الأصحاء.

وأضاف أن الدراسات السكانية قد تكشف تكرار بعض المتغيرات الجينية داخل منطقة أو قبيلة أو قرية أو بلد معين، ما يجعل هذه البيانات مفيدة ليس فقط للمريض وعائلته، بل أيضاً للسلطات الصحية التي يمكنها بناء برامج تشخيص وفحص تستهدف مناطق محددة.

وشدد عضو أكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات على خصوصية الحمض النووي باعتباره “جزيئاً وجد قبلنا وسيبقى بعدنا”، موضحاً أن دراسة الـDNA لا ترتبط فقط بالحالات المرضية التقليدية، بل تشمل التشخيص عند الأجنة وحديثي الولادة، وفي حالات السرطان وحتى بعد الوفاة، كما يمكن إجراء تشخيصات انطلاقاً من الحمض النووي للوالدين أو دراسة الأجداد.

وأكد أن مقاربة الطب تغيرت بشكل جذري مع ظهور الطب الجينومي، بعدما كان التشخيص يتم تقليدياً عند ظهور الأعراض، إذ أصبح بالإمكان اليوم إجراء تشخيص قبل ظهور الأعراض، أو قبل الولادة، أو حتى قبل انغراس الجنين، إلى جانب تحليل عوامل القابلية للإصابة بالأمراض، وهي عوامل لا تسبب المرض مباشرة لكنها تزيد من احتمالية حدوثه.

كما أشار إلى استخدامات أخرى للمعلومات الجينية، من بينها البصمة الجينية لتحديد هوية الأفراد، وعلم الصيدلة الجيني الذي يسمح بتطوير علاجات موجهة تتلاءم مع مرضى معينين دون غيرهم.

وفي حديثه عن التحديات المطروحة في المغرب، اعتبر السفياني أن الاختبارات الجينية تظل تحليلات بيولوجية خاصة جداً تختلف عن التحاليل الطبية العادية مثل قياس السكر أو الكرياتينين، ما يفرض ضرورة اعتماد الموافقة المستنيرة واحترام السرية وحماية المعطيات الشخصية.

وحذر من غياب إطار تنظيمي يؤطر حالياً ممارسة التحاليل الجينية بالمغرب، موضحاً أن أي شخص يمكنه، من الناحية العملية، البدء في إجراء تحليلات جينية داخل أي مختبر بمجرد توفر المعدات اللازمة، معتبراً أن التحدي لا يرتبط فقط بحماية البيانات، بل يشمل أيضاً الحاجة إلى تطوير مجالات التوعية والتكوين والتشبيك العلمي، ومعالجة إشكالية البنوك الحيوية، ووضع إطار تنظيمي ونظام للاعتمادات، فضلاً عن إشكالية التغطية الصحية والتعاقد مع المختبرات.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا