آخر الأخبار

الجغرافية السياسية للمغرب في علاقته بالولايات المتحدة الأمريكية

شارك

هبة بريس – عبد اللطيف بركة

تتأسس العلاقة بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية على تداخل عميق بين الجغرافيا السياسية والمصالح الاستراتيجية، حيث لا يُنظر إلى الرباط فقط كشريك إقليمي، بل كفاعل محوري في إعادة تشكيل التوازنات عبر الضفة الأطلسية والفضاء الإفريقي-المتوسطي.

ويستمد المغرب أهميته من موقعه الجغرافي الاستثنائي، كحلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا، وممر استراتيجي نحو المحيط الأطلسي ومضيق جبل طارق، ما يجعله نقطة ارتكاز في الرؤية الأمريكية للأمن البحري والتجاري.

غير أن هذه الأهمية تعززت بشكل أكبر مع التحولات السياسية التي عرفتها المنطقة، خاصة بعد قرار واشنطن سنة 2020 الاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، في سياق مرتبط بـاتفاقيات أبراهام، وهو ما منح الرباط دعماً دبلوماسياً غير مسبوق، ورسّخ موقعها كحليف موثوق في شمال إفريقيا.

ضمن هذا الإطار، يحظى المغرب بصفة “حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي”، وهو وضع استراتيجي يمنحه امتيازات عسكرية وأمنية متقدمة، تشمل تسهيلات في اقتناء العتاد العسكري، وتعاوناً استخباراتياً وثيقاً، إضافة إلى الاستفادة من برامج الدعم والتكوين.

وتبرز هذه الشراكة في مناورات “الأسد الإفريقي” التي تُعد من أكبر التمارين العسكرية متعددة الجنسيات في القارة، وتعكس مستوى التنسيق العملياتي بين القوات المسلحة للبلدين.

وفي الجانب الاقتصادي، تشكل اتفاقية التبادل الحر الموقعة سنة 2004 إحدى ركائز هذه العلاقة، حيث فتحت الأسواق أمام تدفق السلع والاستثمارات، ومنحت المغرب امتيازات تنافسية في التصدير نحو السوق الأمريكية.

كما عززت هذه الاتفاقية موقع المملكة كمنصة صناعية ولوجستية موجهة نحو إفريقيا، خاصة في قطاعات السيارات والطيران والطاقة المتجددة، ما يجعلها شريكاً اقتصادياً استراتيجياً في مواجهة التمدد الصيني والروسي في القارة.

أما في ما يتعلق ببرامج التسلح والدعم، فقد استفاد المغرب من صفقات عسكرية متطورة تشمل طائرات مقاتلة وأنظمة دفاعية متقدمة، إلى جانب برامج تحديث القوات المسلحة، ما يعزز قدرته على لعب دور أمني إقليمي.

وتندرج هذه الدينامية ضمن رؤية أمريكية تعتبر المغرب ركيزة للاستقرار في منطقة الساحل والصحراء، التي تشهد تصاعد التهديدات الإرهابية والهشاشة الأمنية.

دبلوماسياً، يبرز المغرب كفاعل نشط في دعم السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، مستفيداً من موقعه كرئيس لـلجنة القدس، حيث يحافظ على توازن دقيق بين الانخراط في مسارات السلام والدفاع عن الحقوق الفلسطينية. كما يُنظر إلى الرباط كأحد المساهمين في مبادرات الحوار والتعايش، ما يعزز صورتها كوسيط موثوق في قضايا المنطقة.

وفي سياق أوسع، يُستحضر دور المغرب التاريخي كأحد الداعمين لمبادئ الأمن الجماعي والتعاون الدولي،

حيث يُشار أحياناً إلى انخراطه المبكر في التحالفات الدولية كجزء من دينامية بناء نظام دولي قائم على الاستقرار، وهو ما يفسر حضوره في عدد من المبادرات متعددة الأطراف المرتبطة بحفظ السلام ومكافحة الإرهاب.

رغم متانة هذه العلاقة، فإنها تظل خاضعة لتحديات متغيرة، من بينها تبدل أولويات الإدارات الأمريكية، وتزايد حدة التنافس الدولي في إفريقيا، فضلاً عن تعقيدات الملفات الإقليمية. ومع ذلك، ينجح المغرب في الحفاظ على موقعه كشريك استراتيجي بفضل دبلوماسية براغماتية تقوم على تنويع الشراكات دون التفريط في التحالفات الأساسية.

و تعكس الجغرافية السياسية للمغرب في علاقته بالولايات المتحدة تداخلاً بين الموقع والوظيفة، فالموقع الجغرافي للمغرب استثنائي يمنحه الأفضلية، ووظيفة سياسية وأمنية تجعل منه فاعلاً محورياً في الاستراتيجية الأمريكية.

وبين الاعترافات الدبلوماسية، والامتيازات العسكرية، والشراكات الاقتصادية، تتكرس هذه العلاقة كأحد أعمدة التوازن في منطقة تعيش على وقع تحولات متسارعة.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا