آخر الأخبار

العالم في ميزان “واشنطن-طهران”.. هل يولد النظام الدولي الجديد من مضيق هرمز؟

شارك

تعيش الساحة الدولية على وقع تحولات جيوسياسية واقتصادية عميقة ومتسارعة، تدفعها التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، وتحديدا المواجهة المفتوحة والمفاوضات الشائكة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران. ولا تقتصر هذه التحولات على إعادة رسم خرائط النفوذ وتصدع النظام العالمي ذي القطب الواحد، بل تمتد لتضرب عمق الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وسط استراتيجيات أمريكية تسعى لإعادة صياغة موازين القوى.

تعددية قطبية والتكتلات الإقليمية طوق نجاة

وفي هذا السياق، أكد الباحث في العلاقات الدولية بشير الجويني لجريدة “العمق” أن المشهد السياسي العالمي يشهد حاليا بداية النهاية للنظام الدولي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الثانية، مبرزا أن المنظومة الأممية الحالية بكل وكالاتها ومؤسساتها تقترب من استنفاد صلاحيتها الزمنية والسياسية لصالح نظام عالمي جديد في طور التشكل المتدرج يعتمد على التعددية القطبية.

وأوضح المتحدث ذاته في قراءته التحليلية للمشهد أن المفاوضات الجارية على الساحة الدولية، وتحديدا تلك التي تجمع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، لا تخرج عن سياق ثلاثة مستويات من التحليل، مشيرا إلى أن المستوى الأول يتسم بالطابع الكلاسيكي الذي يعتمد بشكل أساسي على الحرب النفسية والتصريحات المضادة ومحاولات التأثير على الخصم عبر تسريب المعلومات وتوجيه وسائل الإعلام المختلفة.

وأضاف الخبير في الشؤون الدولية أن المستوى الثاني يرتبط ارتباطا وثيقا بشبه الإجماع الحاصل داخل المنظومة الأممية حول نهاية التوازنات القديمة، كاشفا أن المستوى الثالث يتجلى بوضوح في اختلال ميزان القوى الذي أسس للنظام الدولي السابق، حيث فقدت الولايات المتحدة الأمريكية تفردها كقطب أوحد رغم احتفاظها بالتفوق التكنولوجي والمالي.

وسجل أن النموذج الغربي وما يسمى بالحلم الأمريكي فقدا الكثير من مصداقيتهما وجاذبيتهما على المستوى العالمي، مرجعا هذا التراجع القيمي إلى الانسحابات الأمريكية المتكررة من بعض الهيئات والمنظمات التابعة للأمم المتحدة، بالإضافة إلى ما اعتبره صمتا دوليا مطبقا إزاء العمليات العسكرية وما وصفه بحرب الإبادة الجماعية التي ينفذها الكيان الإسرائيلي في قطاع غزة.

وكشف الباحث في حديثه للجريدة أن دول الجنوب ستكون الضحية الأكبر والمتضرر الأول خلال هذه المرحلة الانتقالية الطويلة التي تفصل بين انهيار النظام القديم وبروز ملامح النظام الجديد، طارحا جملة من التساؤلات الجوهرية حول الدور المرتقب للصين في الساحة الدولية، وما إن كانت ستتجه نحو الصعود كقوة توسعية فاعلة، أم ستلتزم بسياستها الخارجية التقليدية التي تفضل الانكفاء والتركيز على الجوانب التجارية والاقتصادية البحتة.

وأشار المصدر عينه إلى أن التحالف الاستراتيجي التاريخي بين واشنطن ودول الخليج يواجه اليوم اختبارات حقيقية، مبينا أن هناك نقاشات داخلية في عدد من العواصم الخليجية تعيد تقييم جدوى هذا التحالف الأمني والسياسي، وذلك بالتزامن مع التوترات المستمرة في العلاقة بين طهران ومحيطها الإقليمي والتي أحدثت خللا واضحا في توازنات المنطقة.

وخلص الباحث في ختام تصريحه لجريدة “العمق” إلى ضرورة استخلاص العبر والتوجه السريع نحو بناء تكتلات إقليمية قوية لمواجهة هذه التحولات العميقة، مشددا على أهمية تجاوز حالة الجمود في جامعة الدول العربية والعمل على تفعيل أدوارها، إلى جانب تعزيز مكانة مجلس التعاون الخليجي، وإحياء مشروع بناء الاتحاد المغاربي المنشود رغم كل العثرات السابقة، معتبرا أن التكتلات التي تجمع بين الأبعاد الاقتصادية والسياسية والعسكرية هي السبيل الوحيد لضمان البقاء في عالم جديد لا يعترف إلا بلغة القوة والتكتل بمعناه الخلدوني.

الاقتصاد العالمي رهينة أمن “هرمز”

من جانبها، كشفت المحللة السياسية والصحفية بإذاعة صفاقس التونسية فاطمة مقني في تصريح لجريدة “العمق” أن أسعار النفط العالمية أصبحت مرتهنة بشكل كامل لواقع الأمن البحري إثر التصعيد غير المسبوق الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط منذ شهر فبراير من العام 2026، مبرزة أن الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران والمفاوضات المباشرة اللاحقة بين واشنطن وطهران حول هدنة مؤقتة لفتح مضيق هرمز تنذر بصدمة اقتصادية عالمية بالنظر إلى أهمية هذا الممر الذي يعبر منه أكثر من عشرين بالمائة من تجارة النفط الدولية.

وأوضحت المتحدثة ذاتها أن برميل خام برنت سجل قفزات متتالية متجاوزا سقف 101 دولار ليلامس 103.7 دولار مع كل اشتباك عسكري جديد، قبل أن يسجل تراجعا فاق 11 بالمائة في ظرف أسبوع واحد بمجرد بروز أحاديث عن هدنة محتملة لأسبوعين، مشيرة إلى الانقسام الواضح بين المؤسسات المالية الكبرى حيث خفضت مجموعة غولدمان ساكس توقعاتها إلى 90 دولارا بينما تمسكت مجموعة سيتي بسيناريو 120 دولارا على المدى القصير، مما يؤكد أن السوق بات يحتسب علاوة مخاطرة هرمز بدل التركيز على ثنائية العرض والطلب.

وأضافت الخبيرة السياسية أن سلاسل الإمداد تعاني حاليا من اختناق هيكلي حاد، مبينة أن الإغلاق الجزئي للمضيق يعني خسارة محتملة تقارب 4.7 مليون برميل يوميا من العراق والكويت فقط، إلى جانب تراجع كبير في صادرات الوقود المكرر نحو القارة الآسيوية، ومؤكدة غياب أي بدائل فورية قادرة على استيعاب ما بين 17 و18 مليون برميل يوميا، وهو الوضع الذي دفع مؤسسة إس آند بي غلوبال إلى خفض توقعات الطلب العالمي بواقع 700 ألف برميل يوميا لعام 2026 نظرا لكون الأزمة تدمر الطلب وتخنق العرض في آن واحد.

وتابعت المصرحة لجريدة “العمق” مبينة أن الاقتصاد الدولي يدفع ثمن هذه التوترات عبر تفاقم معدلات التضخم، حيث أن كل ارتفاع للأسعار فوق حاجز 100 دولار يعيد إشعال التضخم المستورد في كل من أوروبا وآسيا ويؤدي إلى تأجيل قرارات البنوك المركزية بخفض أسعار الفائدة، في حين أن أي هبوط للأسعار دون مستوى 90 دولارا يمنح الأسواق جرعة انتعاش فورية تنعكس إيجابا على أداء البورصات العالمية.

واختتمت مقني تصريحها بالتأكيد على أن استمرار هذا الوضع لأسابيع سيحصر تقلبات الأسواق بين 90 و110 دولارات، غير أن إطالة أمد الأزمة لأشهر سيؤدي حتما إلى إعادة رسم حقيقية لخرائط الطاقة عبر تسريع الاستثمارات في الخطوط البديلة والسحب المكثف من المخزونات الاستراتيجية وتشكيل تحالفات جديدة لحماية الممرات، مشددة على أن الهدنة الحالية تمثل مجرد نافذة لإدارة الأزمة وليست حلا جذريا، مما يحتم على أي اتفاق مستقبلي ربط الملف النووي بضمانات ملاحة ملزمة في مضيق هرمز تتجاوز مسألة حدود التخصيب.

طهران على مسار صدام

وفي سياق متصل، أكد الخبير في الأمن القومي الأمريكي، زياد صافي، في تصريح لجريدة “العمق” أن المؤشرات الحالية تدل على أن إيران توضع تدريجيا على نفس السكة والمسار الذي وضع عليه الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، في إشارة إلى مآلات النظام الإيراني ومستقبله في ظل التوترات الراهنة.

وأوضح المتحدث ذاته في قراءته للمشهد أن الفترة المقبلة ستشهد تصعيدا ملحوظا للضغوط، حيث سيزداد الخناق على طهران من خلال تشديد الحصار الدبلوماسي وتوسيع دائرة الحصار الاقتصادي المفروض عليها بشكل متصاعد.

وأضاف الخبير الأمني أن الاستراتيجية المتبعة من قبل القوى الفاعلة تجاه طهران تعتمد على سياسة الاستنزاف، عبر ترك الدولة الإيرانية تواجه مصيرها وتصل إلى مرحلة من “التعفن” والتدهور الداخلي جراء هذه العقوبات.

وكشف المصدر عينه في ختام تصريحه عن وجود احتمالات واردة للجوء إلى خطوات وتكتيكات أكثر تصعيدا في المستقبل، تتمثل أساسا في إمكانية تقديم الدعم العسكري والعمل على تسليح أطياف المعارضة الإيرانية لمواجهة النظام.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا