آخر الأخبار

غياب الحكومة عن جلسات البرلمان يحيي نقاش "التوازن بين السلط"

شارك

اعتبرت قراءات باحثين في القانون الدستوري والعلوم السياسية أن “اختيارية حضور أعضاء الحكومة خلال الجلسات العامة للدراسة والتصويت على مقترحات القوانين تجد امتدادات دستورية وقانونية”.

لكن القراءات نفسها أوضحت أن “حضور الحكومة الجلسات المذكورة يبقى امتدادا لوظيفتها الدستورية”، وأن “النقاش الذي أثير حول هذه المسألة خلال جلسة تشريعية بمجلس النواب، الثلاثاء الماضي، يكشف في العمق عن توتر بنيوي داخل النسخة المغربية من البرلمانية المعقلنة كما صاغها دستور 2011”.

وعرفت الجلسة، التي كانت مخصصة للدراسة والتصويت على 14 مقترحا، “جدالا” حول مدى دستورية جلسة عمومية تشريعية في حالة “غياب” ممثلي السلطة التنفيذية؛ إذ في حين رأت المعارضة أن الأمر قد يرقى إلى مرتبة “الاستهتار بالمؤسسة التشريعية”، دفعت الأغلبية بأن “حضور الحكومة من عدمه لا يمس بشرعية الجلسة، استنادا إلى قرارات صادرة عن القضاء الدستوري تؤكد على مبدأ الاختيارية”.

“غير مُلزم”

يوسف عفوري، دكتور باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية، قال: “من الناحية الدستورية، لا يتضمن الدستور نصا صريحا يفرض على الحكومة حضور أشغال البرلمان عند دراسة مقترحات القوانين”، مستدركا أن “هذا الغياب الظاهري لأي إلزام لا يعني إطلاقا أن الحكومة تقف خارج العملية التشريعية في هذا المجال؛ فعلى العكس من ذلك، تكشف قراءة منسجمة للفصول 77 و79 و82 و83 أن الحكومة تظل فاعلا محوريا، حتى عندما تكون المبادرة بيد البرلمان”.

وأوضح عفوري، في تصريح لهسبريس، أن “الحكومة، بموجب الفصل 77، تضطلع بدور حاسم في حماية التوازنات المالية، بما يخول لها رفض المقترحات ذات الأثر السلبي على المالية العمومية. كما يمنحها الفصل 79 سلطة الدفع بعدم قبول كل مقترح أو تعديل لا يدخل في مجال القانون. إضافة إلى أن الفصل 82 منح الحكومة صلاحية تحديد ترتيب جدول أعمال مجلسي البرلمان، في حين يكرس الفصل 83 حقها في التعديل، بل ويمنحها أدوات إجرائية قوية لتوجيه النقاش والتصويت”.

ورأى الباحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية أن “هذه الصلاحيات تجعل من حضور الحكومة، من الناحية الموضوعية، امتدادا لوظيفتها الدستورية، حتى وإن لم يكن مفروضا بشكل صريح”.

وأوضح المتحدث عينه أن “على مستوى النظام الداخلي لمجلس النواب، يتضح المنحى نفسه؛ فالمادة 183 تلزم بإخبار الحكومة بتاريخ مناقشة المقترحات داخل اللجان، والمادة 187 تربط برمجتها بموقف الحكومة، وهو ما يعكس مركزية هذه الأخيرة في المسار التشريعي. غير أن المادة نفسها تحسم بشكل واضح في الطبيعة غير الإلزامية للحضور، عندما تسمح للجان بمواصلة دراسة المقترحات في حال غياب الحكومة بعد استيفاء الإجراءات المسطرية”.

ولفت عفوري إلى أن “اجتهاد المحكمة الدستورية جاء ليضع حدا لأي لبس في هذا الباب (قرار المحكمة الدستورية رقم 25/256)، حيث أكدت أن حضور الحكومة يندرج ضمن مبدأ التعاون بين السلط، وأنه يظل حضورا جوازيا لا يترتب على تخلفه بطلان المسطرة التشريعية، ما لم يثبت أنه حال دون ممارسة الحكومة لحقها في إبداء الرأي”.

وزاد: “يشكل هذا التفسير تكريسا لمقاربة مرنة توازن بين استقلال البرلمان في ممارسة وظيفته التشريعية، وحق الحكومة في التفاعل مع هذه الوظيفة”.

توتر بنيوي

اعتبر كمال الهشومي، الأستاذ الباحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – أكدال بالرباط، أن “النقاش المثار اليوم حول حضور الحكومة أثناء مناقشة مقترحات القوانين لا يعكس مجرد خلاف إجرائي عابر بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، بل يكشف في العمق عن توتر بنيوي داخل النسخة المغربية من البرلمانية المعقلنة كما صاغها دستور 2011”.

وأضاف الهشومي، في تصريح لهسبريس: “بين من يعتبر حضور الحكومة التزاما سياسيا وأخلاقيا يفرضه منطق التعاون والتوازن بين السلط، وبين من يستند إلى القراءة الحرفية للفصل 67 وقرار المحكمة الدستورية ليؤكد الطابع الجوازي لهذا الحضور، يبرز سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الوظيفة التشريعية نفسها: هل البرلمان يمارس اختصاصه التشريعي باعتباره سلطة دستورية أصلية مستقلة، أم أن المبادرة الحكومية لا تزال تحتكر فعليا صناعة القانون وتوجيه الأجندة التشريعية؟”.

وفي هذا الصدد، سجل الأستاذ الجامعي أن “أخطر ما يكشفه هذا الجدل ليس فقط مسألة الغياب أو الحضور؛ بل احتمال تحول مقترحات القوانين إلى آلية شكلية تفتقر إلى التفاعل المؤسساتي الحقيقي، بما يفرغ المبادرة البرلمانية من بعدها السياسي والدستوري”.

وشدد المتحدث نفسه على أن “جوهر النقاش لا يتعلق فقط بتأويل نص دستوري؛ بل بمستقبل التوازن بين السلط، ومدى استعداد الفاعل الحكومي للانتقال من منطق ‘هيمنة السلطة التنفيذية على التشريع’ إلى منطق ‘المشاركة الدستورية’ التي أرادها دستور 2011”.

عنصر حاسم

أوضح عفوري أن “الاقتصار على القراءة القانونية الصرفة (سالفة البسط) لا يكفي لفهم أبعاد هذا الإشكال؛ فالممارسة البرلمانية تبرز أن حضور الحكومة، وإن لم يكن إلزاميا، يظل عنصرا حاسما في جودة النقاش التشريعي”، لافتا إلى أن “غيابها قد يفرغ بعض المبادرات من بعدها التفاعلي، خاصة حين يتعلق الأمر بمقترحات ذات أثر مالي أو مؤسساتي، حيث يكون تدخلها ضروريا لتوضيح الانعكاسات وتقديم المعطيات التقنية”.

وفي المقابل، أورد المتحدث عينه: “يفهم الغياب الحكومي، في بعض الحالات، باعتباره موقفا سياسيا ضمنيا من المقترح، أو تعبيرا عن عدم اعتباره ضمن الأولويات التشريعية”، مشيرا إلى أن “هذا يطرح إشكالا يتجاوز القانون إلى مجال الأعراف البرلمانية وأخلاقيات العمل المؤسساتي، حيث يصبح الحضور مؤشرا على جودة التعاون بين السلط، وليس مجرد إجراء شكلي”.

واستحضر عفوري تجاربَ مقارنة “تؤكد هذا المنحى”؛ فـ”حضور الحكومة في مناقشة مقترحات القوانين لا يعتبر في الأنظمة البرلمانية العريقة التزاما قانونيا صارما؛ لكنه يظل ممارسة شبه منتظمة تفرضها اعتبارات النجاعة السياسية والتقنية”، وفق تعبير الباحث المتخصص في القانون الدستوري.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا