آخر الأخبار

رحيل الفنان عبد الوهاب الدكالي .. نهاية مسار موسيقي مغربي استثنائي

شارك

رحل عبد الوهاب الدكالي وودع معه المغرب صفحة كاملة من تاريخه الفني والثقافي، وصوتا ظل لعقود طويلة عنوانا للرقي والعمق والأصالة، فهو واحد من آخر الموسيقيين المغاربة الذين صنعوا مجد الأغنية المغربية الحديثة في زمن كانت فيه الكلمة تكتب بعناية، واللحن يبنى بروح الفنان، والصوت يحمل ملامح وطن بكامله.

كان عبد الوهاب الدكالي من تلك القامات النادرة التي لا تتكرر كثيرا؛ فنانا استطاع أن يمنح للأغنية المغربية شخصيتها الخاصة، وأن ينقلها من حدود المحلية إلى فضاء عربي أوسع، دون أن تتخلى عن هويتها أو روحها المغربية الأصيلة. وبصوته الدافئ وألحانه الهادئة العميقة، تحول إلى جزء من الذاكرة الجماعية للمغاربة، وإلى واحد من الوجوه التي اختزلت زمن الفن الجميل بكل ما كان يحمله من صدق وبساطة وهيبة.

رحل الدكالي، لكن إرثه بقي شاهدا على تجربة فنية استثنائية امتدت لأكثر من نصف قرن، كرس خلالها حياته لخدمة الموسيقى الراقية، مقدما أعمالا خالدة لا تزال حاضرة في وجدان أجيال متعاقبة، من قبيل “مرسول الحب” و“كان يا ما كان” و“ما أنا إلا بشر” و“سوق البشرية”، وهي أعمال لم تكن مجرد أغان ناجحة، بل نصوصا موسيقية وإنسانية عبرت الزمن، ورافقت المغاربة في تفاصيل حياتهم وحنينهم وأسئلتهم الصغيرة والكبيرة.

ولد الراحل بمدينة فاس سنة 1941، وسط بيئة ثقافية وفنية ساعدته على اكتشاف موهبته مبكرا، حيث تلقى منذ صغره تكوينا في الموسيقى والتمثيل والرسم، قبل أن ينطلق في مساره الفني سنة 1957، في مرحلة كانت الأغنية المغربية خلالها تبحث عن ملامحها الحديثة. وسرعان ما برز اسمه كواحد من الأصوات المؤسسة للمدرسة الغنائية المغربية الحديثة، بفضل أسلوبه المختلف وقدرته على المزج بين الزجل المغربي العميق، واللغة العربية الفصحى، والألحان المتجذرة في الهوية المغربية.

وعلى امتداد مساره الفني، حافظ عبد الوهاب الدكالي على مكانة خاصة داخل المشهد الموسيقي، بفضل اختياراته الفنية الراقية وابتعاده عن الابتذال والصخب، ليظل اسمه مرتبطا بفترة ذهبية من تاريخ الأغنية المغربية، صنعت مجده كواحد من آخر حراس الزمن الجميل، الذين منحوا للفن قيمته الحقيقية وهيبته الإنسانية.

ولم يكن الراحل مجرد مطرب وملحن، بل كان فنانا شاملا بصم حضوره أيضا في المسرح والسينما، من خلال مشاركته في أعمال مغربية من بينها “الحياة كفاح” و“رمال من ذهب” و“أيام شهرزاد الجميلة”، ما رسخ صورته كأحد الفنانين الذين أثروا الخزانة الفنية الوطنية في أكثر من مجال إبداعي.

المنتج الفني المغربي مفيد السباعي قال إن عبد الوهاب الدكالي “كان رائد الأغنية المغربية الحديثة وصاحب الروائع الخالدة”، مضيفا أنه كان “فنانا شاملا وسفيرا فوق العادة، وإنسانا قبل الفنان”.

وذكر السباعي، في تصريح لهسبريس، أن لقاء جمعه بالراحل مؤخرا من أجل اقتراح إعادة توزيع إحدى أغانيه بطريقة عصرية، مبرزا أن الدكالي تعامل مع الفكرة “برقي واحترافية كبيرين”، وأبدى إعجابه بالتوزيع الجديد عند سماعه، ومتابعته الدقيقة لكل تفاصيل الساحة الفنية المغربية والعالمية.

وتابع المتحدث ذاته: “لا يوجد أحد في جيلنا لم يملك كاسيط عبد الوهاب الدكالي”، في إشارة إلى الحضور الواسع لأعمال الراحل داخل البيوت المغربية على امتداد عقود وقبل عصر مواقع التواصل الاجتماعي.

من جهته، وصف الإعلامي المغربي الصديق المقرب للراحل عزيز مجدوب وفاة الدكالي بـ”الفاجعة الحقيقية”، مؤكدا أن رحيله شكل صدمة كبيرة بالنظر إلى حضوره الفني المتواصل إلى آخر لحظات حياته.

وأوضح مجدوب، في تصريح لهسبريس، أن الراحل كان يواصل الاشتغال على مشاريع فنية جديدة، إضافة إلى اهتمامه بتوثيق مساره الفني والتحضير لسهرات فنية كان يعتزم إحياءها قريبا، مضيفا أن “الأغنية المغربية والعربية فقدتا واحدا من أبرز رموزهما، ومن الفنانين الذين ساهموا في ترسيخ الهوية المغربية داخل الأغنية العربية”.

أما الفاعل الجمعوي والناشط الفني خالد بن منصور فصرح لهسبريس بأن وفاة الدكالي كانت مفاجئة ومؤلمة، مشيرا إلى أن آخر حديث جمعه بالراحل كان حول مشروع فني جديد كان يجري التحضير له رفقة عدد من أصدقائه المقربين من الساحة الفنية.

وقال بن منصور إن الراحل “كان عميد الأغنية المغربية وأحد كبار رموز الأغنية العربية، كما كان يحظى بصيت واسع على المستوى العالمي”، مؤكدا أن المشهد الفني المغربي فقد برحيله قامة استثنائية يصعب تعويضها.

وفي سياق التفاعل مع رحيل الموسيقار المغربي، نعته الفنانة سميرة سعيد الراحل بكلمات مؤثرة، معتبرة أن رحيل “هذا العملاق الكبير” يمثل خسارة لذاكرة فنية كاملة، مضيفة أن الفنانين الكبار يرحلون بأجسادهم، لكن أثرهم يبقى خالدا من خلال أعمالهم ومدارسهم الفنية.

وأضافت سميرة سعيد أنها عرفت عبد الوهاب الدكالي منذ طفولتها، وتشرفت بمشاركته في حفلات عديدة كانت من أوائل محطاتها الفنية في الوطن العربي، مؤكدة أنه لم يكن بالنسبة إليها مجرد فنان كبير، بل جزءا من ذاكرتها الشخصية وبداياتها الفنية.

كما أبرزت الفنانة المغربية أن الدكالي استطاع أن يصنع هوية خاصة للأغنية المغربية، وأن يؤثر في أجيال كاملة بصوته وألحانه وحضوره الراقي.

بدورها، عبرت الفنانة أسماء لمنور عن حزنها لرحيل الموسيقار المغربي، موردة أن أجيالا كاملة كبرت على صوته وتعلمت من فنه الصادق كيف تتحول الأغنية إلى جزء من ذاكرة شعب بأكمله.

وقالت إن رحيله “ليس خسارة فنية فقط، بل هو رحيل جزء من روح المغرب الجميل”، مشددة على أن أعماله ستظل خالدة وصوته سيبقى حاضرا في وجدان المغاربة مهما مر الزمن.

وخلال مسيرته الطويلة، حصد عبد الوهاب الدكالي عددا من الجوائز والتكريمات الدولية، من بينها انتخابه سنة 1991 شخصية العام العربي من قبل هيئة الإذاعة البريطانية بلندن، وحصوله سنة 1996 على لقب أفضل مبدع موسيقي في مهرجان القاهرة الدولي للأغاني، إضافة إلى أوسمة وتكريمات دولية من فرنسا والفاتيكان، وتوشيحه سنة 2013 بوسام المكافأة الوطنية من درجة قائد.

برحيل عبد الوهاب الدكالي، يخسر المغرب واحدا من آخر العمالقة الذين حافظوا على المعنى النبيل للفن، وعلى صورة الفنان الذي يصنع مجده بالصوت والكلمة والاحترام، لا بالضجيج. غير أن الأصوات الكبيرة لا ترحل تماما؛ إذ تبقى حاضرة كلما عبر لحن قديم ذاكرة المغاربة وأعاد إليهم شيئا من زمن جميل لم يعد يشبه هذا الزمن.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا