حميد زيد ـ كود//
داخل نفس المملكة استطاع الراحل نبيل لحلو أن يصنع مملكته الخاصة.
صنعها حرة.
صنعها بضحكته.
صنعها بسخريته.
صنعها بفنه.
صنعها لرجل اسمه نبيل لحلو.
وحين كان يمر من أمامك تصير أنت أيضا حرا.
وحين يتكلم كان ينشر الحرية حوله.
وأي شيء يلمسه.
كان يصير في الحين حرا.
والأشجار.
والناس.
والخشبة.
والمسرح.
والجمهور.
والقاعات.
والهواء.
والطريق تضحك له.
والشرطي يبتسم لنبيل لحلو.
فيسحره.
ويحول هراوته إلى وردة.
وهم أمر ليس بالهين في بلاد مثل المغرب.
لكن نبيل لحلو استطاع أن يكون فردا في هذه المملكة.
استطاع دائما أن يكون مستقلا.
وغير خاضع لأحد.
ولا لأي مؤسسة.
ولا لأي رأي.
ولأي أيديولوجية.
ولا لأي حقبة تاريخية.
ولا لأي مرحلة.
ولا لأي فكر مهيمن.
ولأنه حر فقد كان يبدو لنا غريبا.
وفي مغرب كان فيه كل واحد منا تابعا لحزب.
أو لسلطة.
أو لعقيدة من العقائد.
وعلى عكسنا جميعا.
كان هو مخلصا لفنه.
ولنفسه.
ولقناعاته.
وقد كان لنا مغرب.
وكان لنبيل لحلو مغرب آخر من خيال.
كان له مغرب نحلم به جميعا بينما هو استطاع هو لوحده أن يعيش فيه.
كان له المغرب الذي لم يتحقق بعد.
وفي الماضي كانت له مملكة مغربية كل شيء فيها حر.
والناس
والأشياء.
والعلاقات.
واللغة.
ولم يكن مثلنا ينتظر.
ولم يكن يتريث.
أو يتنازل.
أو ينسحب.
ولم يكن الواقع يقف في طريقه.
كان له المغرب الذي يريد.
وكان يخلقه يوميا.
كان كل يوم يجرب مغربا.
ولم يكن يقنع.
ولم يكن ييأس.
ولم يكن يتراجع.
ومنذ أن يستيقظ إلى أن ينام كان يعيش في مغربه الحر.
وإلى آخر لحظة في حياته.
وكنا نحن ننظر إليه باستغراب.
لأنه كان قادما من الحرية.
كنا نستغرب من تصرفاته.
ومن ذوقه.
ومن صرامته.
ومن حركاته.
ومن مسرحه.
ومن أعماله السينمائية.
ومن وقفته.
ومن تسريحة شعره.
لأن كل ما كان يفعله كان يشبهه.
وكان يمسرح الحياة.
واللغة.
والحركات.
ليصير الوجود كله فنا.
ولم يكن يعير أي اعتبار للسلطة.
أي سلطة.
ولم يكن يعير اعتبارا للجمهور.
ولا لما يجلب المشاهدات.
ولا لشباك التذاكر.
كان ضد كل هذا.
ومستفزا.
ولطيفا.
وبفائض من الحرية.
بشكل لم نكن نتحمله نحن الذين ندافع عن الحرية ونطالب بها.
ولا نمارسها.
ولا نندفع في اتجاهها.
بينما كان هو غارقا فيها.
ويتنفس في مائها.
وكانت هي بلاده.
ولم يبرحها يوما.
ولم يغادرها.
كان مثل شخص خارج من رواية عظيمة.
كان من عالم آخر.
ورغم كل شهرته.
فقد كان دائما مع غير المشهورين.
كان ضد الحارس.
وضد الباب.
وأتذكر مرة.
وأنا طالب في جامعة محمد الخامس بالرباط.
أني رأيت نبيل لحلو. داخل المسرح.
وقد كنت أنا وأصدقائي في الخارج.
وكنا نرغب في الدخول.
ولم نكن نتوفر على تذكرة. ولا على دعوة.
ودون أن نطلب منه ذلك.
دلنا نبيل لحلو على مكان نتسلل منه إلى المسرح.
وظل منشغلا بنا.
ومهتما.
وبحركة فنية منه.
استطعنا أن نحقق هدفنا.
وقد كان معنا.
كان مع كل الذين لا يتوفرون على دعوة.
كان مع الممنوعين من الدخول.
كان يعيش معنا في هذه البلاد.
كان مغربيا مثلنا.
لكنه وبشخصيته الفريدة استطاع أن يبني بلادا أخرى
حرة
وصريحة
وضاحكة.
وكل من فيها سعيد.
وحالم.
وكل ما فيها لعب
وفن
وقد عاش فيها إلى آخر لحظة
ومن داخل المملكة المغربية
صنع مملكته الخاصة
وقد كان ذلك أكبر عمل إبداعي أنجزه رجل اسمه نبيل لحلو.
وأكبر عرض مسرحي.
وأهم فيلم.
وأي إخلاص
وأي اعتراف
وأي تكريم لنبيل لحلو
هو أن نتعلم منه الحرية.
ونقدرها.
ونتعلم منه كيف يمكن للواحد منا أن يكون فردا.
وهو أن لا نغلق باب مملكته
وأن نهاجر إليها
رغم أنها تبدو من خيال
ومن ماض
كأنه المستقبل.
المصدر:
كود