أطلق الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي صفقة ضخمة تتجاوز قيمتها 400 مليون سنتيم، لإنجاز دراسة اكتوارية شاملة لأنظمة التأمين الإجباري عن المرض “AMO”، بهدف تقييم توازنها المالي واستشراف مستقبلها خلال السنوات العشر المقبلة، وسط مخاوف متزايدة من ارتفاع كلفة العلاج واتساع قاعدة المستفيدين.
وحسب المعطيات الواردة في دفتر التحملات الخاص بالصفقة، فإن الدراسة ستشمل مختلف الأنظمة الصحية التي أصبحت تحت تدبير الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بما فيها نظام القطاع العام، ونظام القطاع الخاص، وتأمين العمال غير الأجراء، إضافة إلى نظام “أمو تضامن” الموجه للفئات الهشة، و”أمو الشامل” الخاص بالأشخاص القادرين على أداء الاشتراكات دون ممارسة نشاط مهني.
وتكشف الوثائق التقنية للصفقة والتي اطلعت عليها جريدة “العمق”، أن الحكومة تراهن على هذه الدراسة لإعادة رسم معالم التوازنات المالية لمنظومة التغطية الصحية، بعد التوسع الكبير الذي عرفه المشروع الملكي لتعميم الحماية الاجتماعية، خاصة منذ 2021، مع إدماج ملايين المغاربة ضمن أنظمة التأمين الصحي.
وتسعى الدراسة إلى تقييم قدرة هذه الأنظمة على الاستمرار ماليا لمدة لا تقل عن عشر سنوات، عبر احتساب نسب التوازن المالي وتوقع تطور المداخيل والنفقات، إلى جانب قياس أثر الإصلاحات المحتملة، مثل رفع نسب التعويضات، ومراجعة التعريفة الوطنية المرجعية للعلاج، وتغيير شروط الاستفادة أو نسب الاقتطاعات.
وتنص الصفقة على إعداد سيناريوهين رئيسيين؛ الأول يقوم على استمرار الأنظمة بصيغتها الحالية، بينما يختبر الثاني فرضيات إصلاحية قد تشمل مراجعة نسب الاشتراكات وشروط الأهلية وتكاليف العلاج، في مؤشر واضح على أن الدولة تتهيأ لقرارات حساسة مرتبطة بمستقبل تمويل التغطية الصحية.
كما تركز الدراسة على تحليل التغيرات الديمغرافية والوبائية، خصوصا ارتفاع الأمراض المزمنة والمكلفة، وتزايد أعداد المستفيدين وذوي الحقوق، إلى جانب تطور الاستهلاك الطبي ونفقات الأدوية والاستشفاء، وهي المعطيات التي باتت تضغط بشكل متزايد على ميزانيات أنظمة “أمو”.
وتبرز الوثائق أن أكبر التحديات تهم نظام “أمو تضامن”، الذي تتحمل الدولة اشتراكاته بشكل كامل لفائدة الفئات غير القادرة على الأداء، إضافة إلى نظام “أمو الشامل” الذي يعتمد على مساهمات مرتبطة بنتائج السجل الاجتماعي الموحد، تتراوح حاليا بين 144 و1164 درهما شهريا حسب الوضعية الاجتماعية.
كما تشير المعطيات إلى أن أنظمة التأمين الحالية تمنح نسب تعويض تصل إلى 100 في المائة بالنسبة لبعض الأمراض المزمنة والخطيرة، والاستشفاء بالمستشفيات العمومية، والعلاجات غير المتوفرة داخل المغرب، ما يرفع بشكل كبير حجم النفقات الصحية السنوية.
ولم تقتصر الصفقة على إنجاز الدراسة فقط، بل تضمنت أيضا نقل الخبرة التقنية إلى أطر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، عبر تكوينات وورشات خاصة، لضمان قدرة المؤسسة مستقبلاً على تحديث الحسابات الاكتوارية وتتبع مؤشرات التوازن المالي بشكل داخلي.
المصدر:
العمق