في عمق واحات جهة درعة تافيلالت، حيث تشكل التمور الركيزة الأساسية للأمن الغذائي منذ الأزل، يبرز منتج «تحلاوت» أو «شراب التمر» كأحد الحلول التاريخية التي سمحت بتثمين التمور غير المخصصة للاستهلاك المباشر عبر تحويلها إلى شراب غني بالسعرات وسهل التخزين. غير أن هذا الموروث، الذي يعكس الهوية «العربية-الأمازيغية» للمملكة، يجد نفسه اليوم في مواجهة معقدة بين إرث الأجداد وإكراهات التحديث الصناعي.
وفي هذا السياق، كشف شكيب عالم، أستاذ باحث بكلية العلوم والتقنيات بالرشيدية، أن «التمر شكّل، على غرار الحبوب، قاعدة الغذاء الأساسية لسكان الواحات عبر العصور»، مشيرا إلى أن استهلاك هذه المادة يتم طوال السنة بأشكال متنوعة كشراب، أو عجين، أو دقيق.
وأوضح عالم في حديث مع جريدة «العمق»، أن «تصنيع تحلاوت سمح بتثمين كافة التمور غير المخصصة للاستهلاك المباشر عبر تحويلها إلى شراب يسهل تخزينه لفترات طويلة، وذلك نظرا لما للقيمة الغذائية لهذا المنتج، وغناه بالسعرات الحرارية».
وأشار أنه تاريخيا، لم تكتفِ واحات الجنوب الشرقي المغربي بتصدير التمور فحسب، بل شمل ذلك منتجاتها التحويلية كالعجين والشراب، مبرزا أن «إنتاجه يتم عن طريق تركيز عصير التمر على نار هادئة في أوان خاصة، وهو يتمتع بقدرة حفظ عالية بفضل غناه بالسكريات، مضادات الأكسدة، والأحماض العضوية».
وأضاف أن هذه المادة تعتبر غذاء متكاملا وطاقيا بامتياز، وكان ضروريا في سنوات القحط، وزادا للمسافرين، ومظهرا من مظاهر الكرم خلال الأعياد واستقبال الضيوف، موضحا أن إسم «تحلاوت» يطلق في منطقة تافيلالت، بينما يطلق عليها اسم «الرّب» في أجزاء من درعة وفكيك. كما يطلق نفس المصطلح على نطاق واسع في الجزائر وتونس، بينما يسود مصطلح «الدبس» في دول الشرق الأوسط.
ولفت المتحدث ذاته إلى أن مصطلح «تحلاوت» يعد مغربيا خالصا، وهو اسم يعكس لقبا عائليا «عربيا-أمازيغيا» يجسد الهوية المغربية، حيث تتنوع أنواع الشراب بتنوع أصناف التمور في الواحات المغربية، ولكل أسرة أسرارها الخاصة لإنتاج شراب ذو جودة عالية وقدرة حفظ طويلة.
وسجّل المصدر نفسه أن منتوج «تحلاوت» يواجه منافسة شرسة من المربيات، العسل الاصطناعي، والأغذية المحولة المليئة بالسكروز والمواد الحافظة، مقابل وعي متزايد لدى الأسر المغربية بضرورة تقديم بدائل صحية لأطفالهم بعيدا عن السكريات المصنعة.
وشدّد المتحدث على أن هذا «الكنز الغذائي» لا يزال ينتج في المطابخ التقليدية وفي التعاونيات النسائية بمختلف مناطق درعة تافيلالت، حيث يشهد الطلب نموا كبيرا تماشيا مع الاهتمام بالمنتجات العضوية الخالية من الإضافات الكيميائية.
وجدّد الأستاذ الباحث تأكيده على أن «تطوير سلسلة إنتاج مهيكلة يجد صعوبات عدة رغم توفر المادة الخام، الخبرة العريقة، والسوق الواعدة»، وهو ما يؤكده معاناة التعاونيات النسائية التي تعاني من ركود في رقم معاملاتها.
من جهة ثانية، تحدث عالم عن كون الكميات الكبيرة التي يتم إنتاجها في وحدات غير مهيكلة تفتقر للضمانات الصحية، منبها إلى غياب شراب الفواكه عن قائمة المراجع في دستور الأغذية، مع وجود فراغ قانوني في المغرب يمنع التعاونيات من استخدام اسم «تحلاوت» كمرجع معتمد، بينما تستخدمه بعض الوحدات دون ترخيص رسمي، في حين تستعمل بعض الشركات المغربية تسمية «دبس» استنادا إلى تشريعات دول الخليج العربي.
وللتغلب على هذه المعيقات، اقترح عالم عددا من الحلول، وعلى رأسها «إخراج نصوص قانونية تحدد معايير وتسمية تحلاوت كمنتج مجالي مغربي، وإنشاء خطوط إنتاج عصرية تضمن السلامة الصحية».
وختم عالم تصريحه، بالقول إن الوضع يستدعي «تعزيز صمود قطاع التمور المغربي أمام المنافسة المتزايدة للتمور المستوردة، والحد من ضياع التمور غير المسوقة التي تقدر بأكثر من 40% من الإنتاج الوطني».
المصدر:
العمق