يطرح التطور التكنولوجي المتسارع سؤالا جوهريا حول الكيفية التي يمكن بها للذكاء الاصطناعي أن يضع إمكانياته الهائلة في خدمة وتطوير قطاع الإنتاج الحيواني بالمغرب. خاصة مع بروز هذه التقنيات كأداة عملية لتحسين تدبير الأعلاف وتعزيز المراقبة الصحية ورفع مردودية الضيعات. وفي ظل التحديات المرتبطة بالجفاف وارتفاع كلفة الإنتاج وتزايد الضغط على الأمن الغذائي، يتجه الاهتمام نحو كيفية تحويل هذه التكنولوجيا إلى وسيلة يومية تدعم المربي في اتخاذ قرارات دقيقة داخل الضيعة، بدل بقائها حلولا تقنية منفصلة عن واقع العالم القروي.
وفي هذا السياق، يؤكد خبراء أن الذكاء الاصطناعي قادر على إحداث تحول نوعي في العلاقة بين الفلاح وموارده، من خلال الانتقال من التدبير القائم على التقدير والتجربة إلى قرارات مبنية على المعطيات الدقيقة. إذ تتيح الخوارزميات وأجهزة الاستشعار تتبع سلوك القطيع وتحديد كميات الأعلاف المناسبة وتحليل الحالة الصحية بشكل استباقي، مما يساعد على تقليص الهدر وتحسين الإنتاجية والحد من الخسائر، خاصة في ظل التقلبات المناخية التي تفرض تدبيرا أكثر دقة للموارد.
وفي المقابل يطرح إدماج هذه التقنيات في خدمة الإنتاج الحيواني تحديات بنيوية تتعلق بالكلفة وضعف التغطية الرقمية وصعوبة الولوج إلى التكنولوجيا بالنسبة للفلاحين الصغار، وهو ما قد يخلق قطاعا يسير بسرعتين بين ضيعات مجهزة وأنماط تقليدية تعتمد الحدس. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تبسيط الأنظمة الذكية وتكييفها مع الخصوصية المحلية، وجعلها أداة لدعم العدالة المجالية والاقتصادية داخل العالم القروي، حتى تتحول من ابتكار تقني إلى رافعة حقيقية لتنمية الإنتاج الحيواني بالمغرب.
وحول الموضوع، أكد خبير الذكاء الاصطناعي، رشيد أشنين، في تصريح لجريدة العمق، أن تدبير الأعلاف والمراقبة الصحية بالمغرب أصبح في قلب معادلة استراتيجية ترتبط بالمناخ والأمن الغذائي. واعتبر المتحدث أن الأنظمة الذكية تلعب دورا محوريا في تغيير العلاقة بين الفلاح وموارده بالانتقال من التقدير إلى القرار المبني على المعطيات، مشيرا إلى أن هذه التكنولوجيا تواجه خطر خلق مفارقة تعمق الفوارق وتقصي الفلاح الصغير الذي يمثل العمود الفقري للعالم القروي.
وأوضح المصدر ذاته أن الخوارزميات الحديثة تتيح تحديد كميات العلف بدقة بناء على وزن الحيوان وعمره وحالته لتقليص الهدر المالي، مضيفا أن هذه التقنيات تضمن تغذية مضبوطة ترفع الإنتاجية وتجعل من اقتناء العلف استثمارا محسوبا يخفف عبء كلفة الإنتاج. وتابع أن الحساسات المثبتة في الإسطبلات ترصد سلوك التغذية وتكشف التغيرات المفاجئة التي تمر دون انتباه في النماذج التقليدية.
وأبرز أشنين أن الأنظمة الذكية قادرة على تحليل المكونات واقتراح خلطات متوازنة تتناسب مع مراحل نمو القطيع لتقليل التبذير. وأفاد بأن هذا التحول يكتسي أهمية بالغة في ظل الجفاف بالمغرب، حيث تساعد المعطيات المناخية المربي على اتخاذ قرارات استباقية. مضيفا أن هذه القدرة التوقعية تجيب عن تساؤلات المربين حول مواعيد الشراء والتخزين، مما ينقل تدبيرهم من رد الفعل إلى التخطيط المحكم.
وانتقل الخبير ضمن حديثه إلى جريدة “العمق” إلى شق المراقبة الصحية، موضحا أن أجهزة الاستشعار تراقب باستمرار حرارة الحيوان وحركته. وكشف أن هذه المعطيات ترسل بشكل لحظي لتحليلها، مما يسمح بالكشف المبكر عن أي خلل صحي قبل أن يستدعي تدخلا علاجيا. كما اعتبر أن هذه الأنظمة تمثل عينا رقمية تمنح المربي إنذارا مبكرا عند رصد أي انخفاض طفيف في النشاط لتقليل الخسائر.
وأردف المتحدث أن تحليل سلوك الحيوان يساهم في تحديد فترات التزاوج ومراقبة الحمل وتحسين توقيت التلقيح للرفع من الجودة. واستدرك أن القيمة الحقيقية لهذه الإمكانيات ترتبط بطريقة إدماجها داخل الواقع القروي المغربي بدل إبقائها حلولا معقدة للضيعات الكبرى. كما نبه إلى أن تبسيط هذه التقنيات وتكييفها مع احتياجات الفلاح كجزء من منظومة دعم يشكل شرطا أساسيا لاستدامة القطاع.
وطرح المصدر إشكالية استعداد الفلاح الصغير، مؤكدا أن رفضه لبعض الحلول ينبع من خوف مبرر من المخاطرة باستثمارات غير مضمونة. وأوضح أن التطبيقات المصممة بلغات أجنبية ومفاهيم معقدة تبدو كعالم مغلق أمام فلاح يعيش تحت ضغط المناخ وهشاشة السوق. مسجلا أن التحول الرقمي يصبح مجرد شعار إذا لم تتم ترجمة التكنولوجيا وتبسيطها وتخفيض كلفتها لتتحدث لغة المربي.
ولاحظ أشنين وجود إشارات إيجابية تتمثل في دخول الهواتف الذكية للقرى وانفتاح الشباب وتنامي أدوار التعاونيات كأرضية خصبة للرقمنة. وشدد على ضرورة تصميم حلول تنبع من الحاجيات اليومية تخبر الفلاح بما يجب فعله بدل استيراد نماذج جاهزة ومعقدة. وأكد أن نجاح التحول الرقمي لا يقاس بعدد التطبيقات بل بمدى وصولها إلى أبعد دوار لتجاوز الوهم التكنولوجي وتأكيد حدوث ثورة حقيقية.
وكشف المتحدث عن وجود قطاع فلاحي يسير بسرعتين، يضم ضيعات مجهزة بأنظمة ذكية مقابل فلاح يعتمد على أدوات تقليدية وحدس متوارث. وأفاد بأن الابتكارات المتوفرة موجهة لمن يملك الرأسمال والكفاءة التقنية، مما يجعل التكنولوجيا غير ديمقراطية ومقصية لفئات واسعة، محذرا في الوقت نفسه من أن هذا الوضع يهدد القدرة على البقاء ويطرح أسئلة جوهرية حول توجيه سياسات العدالة نحو تمكين الإنسان.
وخلص الخبير إلى أن تدارك هذا الخلل يتطلب دمقرطة التكنولوجيا عبر تشجيع النماذج الجماعية والاستثمار في التكوين الميداني، مشيرا إلى أن الفلاحة التي تقصي الفلاح الصغير تبقى ناقصة، وأن التكنولوجيا التي لا تصل إلى القاعدة مجرد واجهة لا تخدم التنمية. وختم تصريحه بالتأكيد على ضرورة جعل الأنظمة الذكية رافعة للعدالة الاجتماعية بدل تحويلها إلى أداة لخلق فجوات جديدة.
وسار المهندس والباحث في الذكاء الاصطناعي، عدنان أنوزلا، في الاتجاه ذاته حين كشف أن هذه التقنية أصبحت وسيلة عملية تواكب المربي يوميا. وأبرز الباحث، في تصريح لجريدة “العمق”، أن هذه التكنولوجيا تساعد في اتخاذ قرارات مبنية على معطيات دقيقة بدل الاعتماد المفرط على التجربة فقط. وأشار إلى أن هذه الأنظمة تجيب عن تساؤلات الحالة الصحية للقطيع بدقة، مما يساهم في ربح الوقت وتقليص الخسائر وتحسين الإنتاج.
وأوضح المتحدث ذاته الطريقة التي تحسن بها الأنظمة الذكية تدبير الأعلاف، مبينا قدرتها على توقع الكميات بناء على عدد المواشي وتوقيت السنة. وأضاف أن هذه التقنيات تأخذ بعين الاعتبار فترات الجفاف لمنع هدر الأعلاف في حال اقتناء كميات زائدة أو تضرر القطيع عند النقص. مؤكدا على أن هذه الأنظمة تعمل أيضا على تحديد أفضل خلطة غذائية بأقل تكلفة، للحفاظ على صحة الحيوان وجودة العلف في الوقت نفسه.
وأكد الخبير ذاته أن مراقبة القطيع تعتمد اليوم على أجهزة صغيرة تثبت كقلادة أو في الأذن لقياس الحركة والحرارة بشكل مستمر. وأفاد بأن خوارزميات الذكاء الاصطناعي تحلل هذه البيانات لإصدار إنذار مبكر في حال نقص النشاط، كإجراء وقائي يسبق ظهور أعراض المرض الواضحة، مشيرا إلى دور كاميرات المراقبة في تتبع مسار الحيوانات وتحليل سلوكها لإعطاء فكرة أشمل وتفادي التدخلات البيطرية المتأخرة والمكلفة.
وشدد أنوزلا على وجود تحديات حقيقية تواجه المربين في المغرب لتبني هذه التقنيات بسبب عدم الاعتياد عليها ومشكل الأمية الرقمية. وأبرز المصدر ذاته أن التكلفة المادية للأجهزة تشكل عائقا كبيرا وتعتبر باهظة الثمن ومكلفة جدا بالنسبة للفلاح الصغير. وزاد أن إشكالية غياب أو ضعف شبكة الإنترنت في العديد من المناطق القروية تضاف إلى هذه الصعوبات لتحد من استخدام الأنظمة.
وقدم المهندس حلولا عملية لتجاوز هذه العقبات، مقترحا برمجة تطبيقات بسيطة تعمل بالدارجة المغربية لتسهيل الاستعمال مع توفير تكوينات مستمرة للمربين. وأشار إلى أهمية تدخل ودعم الدولة في هذا المجال عبر تقديم خدمة كراء الأجهزة عوض إجبار الفلاح على شرائها لتخفيف العبء. وخلص المصدر إلى أن النجاح الفعلي للذكاء الاصطناعي بالمغرب يرتبط بمدى القدرة على تبسيطه وتقريبه من المربي، وليس الاكتفاء بتطويره وتركه معقدا.
* الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
المصدر:
العمق