لا تتوقف تداعيات التوترات الجيوسياسية عند حدود مناطق النزاع، بل تمتد آثارها سريعا إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، وعلى رأسها كلفة الغذاء وتوفّره.
فمن مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إلى موائد المغاربة، تتشكل سلسلة من الارتدادات الاقتصادية تبدأ بارتفاع أسعار النفط وتكاليف النقل، ولا تنتهي عند ارتفاع أثمان المواد الغذائية الأساسية.
وفي سياق يتسم بهشاشة بنيوية للاقتصاد الغذائي واعتماد كبير على الاستيراد، تبدو الأسر المغربية أكثر عرضة لتلقي صدمات خارجية قد تعمق صعوبات الولوج إلى الغذاء، وتحول الضغوط الظرفية إلى أزمة أكثر حدة.
في هذا الصدد، كشفت بيانات حديثة لـ”الباروميتر العربي” أن عددا كبيرا من سكان المغرب يعانون في توفير احتياجاتهم الغذائية، حيث أفاد نصف السكان على الأقل بأن الغذاء نفد لديهم دون أن يتوفروا على المال اللازم لشراء المزيد، وذلك ضمن استطلاعات رأي أجريت بين شهري غشت ونونبر من سنة 2025.
وأوضح التقرير الذي نشر على منصة “البارومتر العربي”، أن هذه الأرقام لا تعكس صعوبات مؤقتة بل تكشف عن أوجه ضعف هيكلية عميقة في المنطقة، محذرا من أن الحرب الدائرة حاليا بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تهدد بدفع ملايين الناس أقرب إلى الجوع، لتحول المشكلة القائمة إلى أزمة حادة.
وأشار المصدر ذاته إلى أن قرار طهران إيقاف حركة السفن في مضيق هرمز، الذي يعبر منه قرابة 20 بالمئة من مجموع الغاز والنفط العالمي، أدى إلى زيادة في سعر برميل النفط، وهو ما رفع مباشرة تكاليف النقل وإنتاج الغذاء عالميا وعرقل توفير السماد، مع ما لذلك من تبعات واضحة على أسعار الغذاء بالنسبة للأسر عبر المنطقة.
وحذر برنامج الغذاء العالمي، وفقا للمصدر، من أن الصراع الدائر قد يدفع بما يقارب 45 مليون شخص إضافي إلى حدود الجوع عالميا، معتبرا أن نسبة كبيرة من هؤلاء يعيشون في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي تعد أحد الأقاليم الأشد تأثرا بالصدمات الخارجية.
وأكدت المعطيات أن نقاط الضعف الهيكلية في المنطقة تضاعف هذه المخاطر، حيث إن دولا كثيرة، من ضمنها المغرب، تعتمد على استيراد الغذاء، مما يجعلها أكثر تأثرا بصدمات الأسعار العالمية وعرقلة الإمداد، مشيرة إلى تحذير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) من أن استمرار الصراع قد يعرقل خطوط الإمداد ويتسبب في شح مخزون الغذاء.
وأضاف التقرير أن التأثير الكامل للحرب قد لا يظهر آنيا، حيث إن ارتفاع تكاليف المحروقات والسماد اليوم قد يترجم إلى انخفاض في المنتوج الزراعي والإمداد العالمي بعد أشهر، مما قد يرفع أسعار أصناف رئيسية مثل القمح والأرز ويزيد من مصاعب الوصول إليها.
وتابع المصدر ذاته أن بيانات سابقة للباروميتر العربي، أجريت بين خريف 2023 وربيع 2024، أظهرت أن غالبية المستطلعة آراؤهم في كل الدول ومنها المغرب، ينظرون إلى مسألة توفر الغذاء بأسعار معقولة على أنها مشكلة جدية، حيث تعيش ملايين الأسر بهامش راحة مالي قليل جدا أو منعدم، وهو ما يجعل أي ارتفاع بسيط في الأسعار ذا عواقب كبيرة.
وخلص المصدر إلى أن انعدام الأمن الغذائي في المنطقة هو “فشل هيكلي” وليس تقصيرا فرديا، وهو مدفوع بتلاقي القصور في السياسات الداخلية والفجوة الاقتصادية والهشاشة أمام الصدمات الخارجية، داعيا الحكومات إلى التحرك الفوري لتقوية أنظمة الحماية الاجتماعية وتعزيز القوة الشرائية وضمان وصول الناس للسلع الغذائية الأساسية لتجنب عواقب وخيمة.
المصدر:
العمق