أجمع خبراء وباحثون متخصصون في الإنتاج الحيواني على أن مستقبل تربية الماشية بالمغرب بات رهينا بإحداث تحول جذري ومستعجل في أساليب التدبير الجيني والتقني، مشددين خلال نقاش علمي على هامش فعاليات المعرض الدولي للفلاحة بمكناس، اليوم الجمعة، على ضرورة القطع مع “فوضى التهجين” التي تهدد السلالات المحلية، مع تعميم تقنيات التلقيح الاصطناعي كحل استراتيجي لرفع المردودية الاقتصادية للمربين وتحقيق الأمن الغذائي.
وفي هذا السياق، أكد محمد بنكومي، ممثل منظمة منظمة الأغذية والزراعة، أن التحدي الأكبر الذي يواجه القطاع يتمثل في غياب معطيات دقيقة حول السلالات المحلية، وانتشار التهجين العشوائي الذي يهدد التنوع الوراثي الوطني، موضحا أن نسبة مهمة من القطيع الوطني أصبحت مكونة من سلالات مهجنة دون معرفة دقيقة بأصولها أو مردوديتها، ما يطرح إشكالات حقيقية على مستوى التخطيط والإنتاج.
وأشار بنكومي إلى أن التهجين، رغم أهميته، يجب أن يتم وفق أهداف واضحة ومحددة، مع التحكم في مراحله، سواء تعلق الأمر بالجيل الثاني أو الثالث، لتفادي فقدان الخصائص المرغوبة، مشددا على أن أي برنامج لتحسين السلالات يجب أن يضع في صلب أولوياته تحقيق مردودية اقتصادية للمربي، معتبرا أن “السلالة التي لا تدر دخلا لا يمكن الحفاظ عليها”.
كما حذر من تراجع الأنظمة التقليدية لتربية الماشية، وتزايد تأثير العوامل المناخية والأمراض نتيجة التدخلات البشرية غير المدروسة، داعيا إلى تعزيز البحث العلمي في مجال توصيف السلالات، وتطوير برامج تحسين وراثي ملائمة للسياق المغربي، مع ضرورة حماية السلالات المحلية في بيئتها الأصلية.
وفي هذا الإطار، كشف بنكومي عن قرب صدور قانون جديد ينظم قطاع تربية الماشية بالمغرب، من شأنه تأطير مختلف المبادرات وضمان استدامتها. كما ذكر بخطة العمل العالمية التي وضعتها منظمة الأغذية والزراعة في أفق 2050، والتي تضع تحسين السلالات والحفاظ عليها ضمن أولوياتها الاستراتيجية.
من جانبها، استعرضت بشرى العاميري، أستاذة بالمعهد الجهوي للزراعة والبيطرة بسطات، حصيلة أزيد من عقدين من البحث العلمي الذي قاده المعهد الوطني للبحث الزراعي في مجال التلقيح الاصطناعي لدى الأغنام والماعز، مؤكدة أن هذه التقنية، رغم فعاليتها المثبتة عالميا، لا تزال محدودة الانتشار في هذا القطاع مقارنة بالأبقار.
وأوضح أن المغرب كان رائدا في هذا المجال خلال فترات سابقة، حيث قام بتصدير السائل المنوي المجمد إلى دول مثل العراق ومصر، غير أن هذا الزخم تراجع في السنوات الأخيرة، مرجعة ذلك إلى عدة عوامل، من بينها صعوبات التطبيق الميداني وضعف تبني المربين لهذه التكنولوجيا.
وكشفت العاميري أن المعهد الوطني للبحث الزراعي اعتمد مقاربة شمولية تجمع بين الجوانب الفسيولوجية والوراثية والتغذوية، إضافة إلى دراسة تأثير الإجهاد الحراري والتلوث على جودة التناسل. كما تم تطوير بروتوكولات متقدمة لتخزين السائل المنوي وتحسين خصوبة الإناث، إلى جانب برامج تكوين واسعة ساهمت في تأهيل جيل جديد من الباحثين والخبراء عبر مختلف جهات المملكة.
بدوره، قدم خليل زرو، طبيب بيطري وممثل الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز، عرضا ميدانيا حول أول تجربة تطبيقية للتلقيح الاصطناعي في الضيعات الفلاحية، خاصة بمنطقة عين اللوح. وأبرز أن هذه التجربة، التي انطلقت سنة 2024، حققت نتائج مشجعة رغم محدودية الإمكانيات.
ففي مرحلتها الأولى، شملت العملية 107 نعاج بنسبة ولادات بلغت 60%، قبل أن تتوسع سنة 2025 لتشمل أكثر من 1100 نعجة، محققة نسبة نجاح وصلت إلى 75%، مع تسجيل إنتاج يفوق 1100 خروف. وأكد زرو أن هذا التحسن يعكس تطور مستوى التحكم التقني، خاصة في ما يتعلق بإعداد الإناث وتحسين ظروف التربية.
وشدد المتحدث على أن نجاح هذه التقنية لا يقتصر على الجانب العلمي، بل يتطلب أيضا انخراط المربين وتكوينهم، مشيرا إلى أن التجربة ساهمت في تغيير نظرتهم نحو التلقيح الاصطناعي، الذي ظل لسنوات “حلما مؤجلا” قبل أن يصبح واقعا ملموسا.
وأكد المتدخلون على أن مستقبل تربية الماشية بالمغرب يمر عبر تعزيز البحث العلمي، وتوسيع استخدام التقنيات الحديثة، خاصة التلقيح الاصطناعي، إلى جانب وضع إطار قانوني وتنظيمي داعم، بما يضمن تحقيق الأمن الغذائي ورفع مردودية القطاع في ظل التحديات المناخية والاقتصادية المتزايدة.
المصدر:
العمق