أثار المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ملاحظات بشأن مشروع القانون، رقم 16.22 يتعلق بمهنة العدول، الذي صادق عليه مجلس المستشارين مؤخرا في ظل رفض العدول له، وقال إن المشروع “لم يذهب بعيدا في وتيرة تحديث ممارسة التوثيق العدلي بما يستوعب التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة التي يعرفها المجتمع المغربي.
وقال المجلس الاقتصادي، في رأي جديد أحاله على مجلس النواب واطلعت عليه جريدة “العمق”، أن المشروع أبقى على بعض المقتضيات الإجرائية التي سبق أن كانت محل نقاش في إطار الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة، خصوصا من حيث مدى مواكبتها للمستجدات وانسجامها مع بعض المرجعيات والمعايير الدولية المؤطرة لمهن التوثيق.
ونبه المجلس الذي ييقوده عبد القادر اعمارة إلى أن المشروع كرس نفس المقاربة التي اعتمدها القانون رقم 16.03 المتعلق بخطة العدالة، فيما يخص خطاب القاضي، وثنائية التلقي، وشهادة اللفيف، وذلك لما تثيره هذه المقتضيات من إشكالات عملية متعددة تنعكس سلباً على حقوق الأفراد ومصالحهم الاقتصادية والاجتماعية المشروعة، وتمس كذلك بحق العدول في مزاولة مهنتهم بصفة مستقلة، وفي ظروف ملائمة.
خطاب القاضي
وأشار الرأي إلى أن آلية خطاب القاضي تعد من الخصوصيات الأساسية التي تميز نظام التوثيق العدلي في التشريع المغربي، حيث تشكل مرحلة قانونية لازمة لاستكمال الطابع الرسمي للعقود والشهادات التي يتلقاها العدلان. وخطاب القاضي هو قيام القاضي المكلف بالتوثيق بمراقبة الوثيقة بعد تحريرها والتأكد من استيفائها للشروط الشكلية والقانونية المطلوبة، قبل وضع توقيعه وخاتمه عليها، الأمر الذي يضفي عليها الصفة الرسمية ويمنحها الحجية القانونية الكاملة.
النموذج المغربي في التوثيق العدلي، بحسب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، من بين النماذج التوثيقية التي تعتمد آلية الرقابة القضائية السابقة على العقود العدلية، مقارنة مع معظم البلدان الإسلامية الأخرى، مشيرا إلى أن هناك “توجه عام يقوم على إضفاء الصفة الرسمية على المحرر التوثيقي مباشرة دون حاجة إلى اعتماد قضائي مسبق”.
وهذا التوجه، يأتي حسب المصدر، ” استناداً إلى منطق المسؤولية المهنية المباشرة، وتحقيق السرعة والفعالية، وتخفيف العبء عن القضاء. ذلك أن تعدد المراحل الإجرائية قد يؤدي إلى إبطاء إنجاز العقود وتأخير آثارها القانونية، مما يدفع نحو تبسيط المساطر واعتماد آليات مراقبة أكثر مرونة وفعالية”.
ثنائية التلقي
رأي المؤسسة الدستورية أثار أيضا ملاحظات بشأن قاعدة “ثنائية التلقي” التي أبقى عليها مشروع القانون، بحيث يتوقف تحرير الشهادات والعقود في نظام التوثيق العدلي على شرط مشاركة عدلين اثنين، خلافاً لأنظمة التوثيق الحديثة، بما فيها نظام التوثيق العصري بالمغرب.
ويفيد القطاع الحكومي صاحب المبادرة التشريعية بأن المجلس العلمي الأعلى سبق أن أصدر فتوى في هذا الشأن، تؤكد على وجوب تلقي الشهادات من قبل عدلين اثنين، فضلاً عن ضرورة خطاب القاضي، مع اعتبار الأمر ملزماً لكافة المعنيين بالنظر إلى ارتباطه بالوازع الشرعي، يضيف المجلس
ولاحظ المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن الحكومة، من خلال مشروع القانون، لم تبادر إلى مراجعة هذا الاختيار بما ينسجم مع تطور المنظومة القانونية الحديثة وتوجهات مهن التوثيق، وبما يتلاءم مع إرادة عصرنة مهنة العدل، منبها إلى أنها تثير صعوبات وإكراهات عملية للمهنيين.
ومن هذه الصعوبات، أشار الرأي نقلا عن المهنيين، إلى بعض الممارسات التي لا تلتزم بمسطرة جواز التلقي بكيفية منفردة طبقاً للقانون، وبالتالي يتم استدعاء عدل ثانٍ لـ”المصادقة” أو “التزكية” (العدل العاطف) دون أن يكون قد حضر الوقائع، وهو الوضع الذي يثير “إشكالات جدية من زاوية سلامة المسطرة وتحمل المسؤولية المهنية للعدول، فضلاً عن تأثيره على مصداقية العمل التوثيقي وانسجامه مع متطلبات الشفافية والنجاعة”.
كما أن ثنائية التلقي يما يتعلق بتحرير وتوثيق العقود المدنية، يضيف المصدر ذاته، يصعب القبول بها من قبل المرتفقين، مشيرا إلى أن عملية بيع عقار محفظ، مثلاً، يمكن إنجازها بصورة قانونية كاملة من طرف موثق واحد، في حين تتطلب العملية نفسها مشاركة مهنيين اثنين من العدول، بالإضافة إلى تدخل طرف ثالث هو قاضي التوثيق الذي يتعين عليه مراقبة الوثيقة ووضع تأشيرة الخطاب عليها.
شهادة اللفيف
الرأي ذاته أثار ملاحظات أيضا بشأن شهادة اللفيف، التي تعد من خصوصيات نظام الإثبات في التشريع المغربي، وهي وسيلة إثبات تقوم على شهادة جماعة من الأشخاص للإدلاء بمعطيات تتعلق بوقائع أو تصرفات يصعب إثباتها بالوسائل الاعتيادية.
وأشار إلى أن مشروع القانون رقم 16.22 قد أدرج لأول مرة، ضمن المادة 66، مقتضيات لتقنين وتنظيم شهادة اللفيف، وتم التنصيص على عبارة “شهادة جمع من الناس” التي تفيد الرجال والنساء معاً، ولاحظ أن المشرع “لم يذهب إلى حد اعتماد وسائل حديثة، من قبيل تسجيل الشهادة أمام العدول بالصوت والصورة، أو تلقيها عن بُعد عبر الوسائل الرقمية، مع ضمان التحقق من هوية الشاهد وسلامة إرادته وحماية معطياته الشخصية”.
وأكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ضمن رأيه، أن من شأن تعميم نظام التحفيظ العقاري وتعميم ورقمنة نظام الحالة المدنية، الحد من اللجوء إلى شهادة اللفيف كوسيلة للإثبات، واعتماد وسائل إثبات قانونية أكثر انسجاماً مع الأنظمة التشريعية الحديثة.
تدبير الودائع
من جهة أخرى نبه المصدر ذاته إلى غياب آلية لتدبير الودائع ضمن مشروع القانون، بحيث لا يتضمن مقتضيات صريحة تمكن العدول من آلية مؤطرة وفعالة لتدبير الودائع، وتكفل ضمان حقوق الأطراف، وتمنع أي تصرف غير مشروع في الأموال إلى حين استكمال المساطر القانونية، وذلك انسجاماً مع توصيات الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة.
وأشار إلى أن بعض المساطر المرتبطة بالعقود العدلية، من قبيل خطاب القاضي وإجراءات التسجيل وغيرها، تؤدي إلى تأخر استكمال الإجراءات بعد توقيع الأطراف، مبرزا أن إكراهات أخرى تحول دون إتمام الإجراءات وإضفاء الطابع الرسمي على الوثيقة المحررة، وهو ما قد ينعكس سلباً على حقوق المتعاقدين ومصالحهم، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالعقار والأصول التجارية.
المصدر:
العمق