في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
فجرت فاجعة انهيار سقف منزل بالمدينة العتيقة لتطوان، والتي أودت بحياة طفلين، موجة غضب وانتقادات لاذعة طالت الجماعة الجهات المسؤولة، في ظل ما تؤكده فعاليات سياسية ومدنية من وجود مئات طلبات ترميم منازل آيلة للسقوط لا تزال عالقة دون ترخيص، مقابل استمرار الإنفاق على الفعاليات الثقافية والفنية، ما أعاد إلى الواجهة سؤال الأولويات ومسؤولية حماية أرواح السكان.
وتتواصل تداعيات الفاجعة التي هزت حي الصياغين (سبع لواوي) بالمدينة العتيقة، حيث انهار منزل سكني مكون من طابق أرضي وطابقين علويين كان يؤوي خمس أسر تضم 11 شخصا، في الساعات الأولى من صباح اليوم السبت، مخلفا وفاة الطفل زياد عليليش (10 سنوات)، وشقيقته ريتاج (8 سنوات)، وذلك بعد 6 سنوات من وفاة والدهما في حادثة سير.
وفي خضم الصدمة، برزت أصوات سياسية وحقوقية ومدنية تحمل المسؤولية لما وصفته بـ”تراكم الإهمال الإداري”، وعلى رأسها ملف رخص الإصلاح التي يؤكد منتخبون وفاعلون أنها ظلت حبيسة الرفوف رغم خطورة الوضع داخل المدينة العتيقة.
وقررت الهيئة المشرفة على تظاهرة “تطوان عاصمة المتوسط للثقافة والحوار 2026″، إلغاء وتأجيل كافة الأنشطة والفعاليات المبرمجة، اليوم السبت، حدادا على ضحايا الفاجعة، بما في ذلك السهرة الفنية التي كانت مرتقبة بمسرح إسبانيول، إلى جانب الكرنفال وباقي الأنشطة.
وفي إطار استجلاء وجهة نظر الجماعة، حاولت جريدة “العمق” الاتصال برئيس جماعة تطوان وبعض نوابه، قصد الحصول على توضيحات بخصوص الانتقادات المثارة، غير أن هواتفهم ظلت ترن دون تلقي أي رد إلى حدود لحظة نشر هذا الخبر.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة ملف تأهيل المدينة العتيقة لتطوان، المصنفة تراثا عالميا، في ظل مطالب متزايدة بوضع خطة استعجالية شاملة تشمل معالجة البنايات الآيلة للسقوط، وتبسيط مساطر الترخيص، وتعبئة اعتمادات مالية كافية، تفاديا لتكرار مآس مماثلة مستقبلا.
انتقادات سياسية
في هذا السياق، اعتبر عادل بنونة، المستشار بجماعة تطوان، أن ما وقع “ليس حادثا عرضيا، بل نتيجة مباشرة للصمت الإداري والتقاعس عن اتخاذ قرارات حاسمة”، مشيرا إلى أن المجلس سبق أن نبه مرارا إلى وجود مئات الطلبات المقدمة من مواطنين لترميم منازلهم، لكنها ظلت حبيسة الرفوف.
وأوضح بنونة أن المدينة “تدفع اليوم ثمن التردد والتأجيل من أرواح أبنائها”، داعيا إلى تسريع معالجة طلبات الإصلاح، وإعداد ميثاق عملي خاص بالمدينة العتيقة يضع حدا لتعقيد المساطر ويعبئ الموارد الضرورية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
من جهته، صعد الحزب المغربي الحر من لهجته، معتبرا أن الفاجعة “نتيجة إهمال جسيم وتقاعس غير مقبول في التفاعل مع شكايات المواطنين”، مشيرا إلى أن البناية المنهارة كانت ضمن المباني المصنفة مهددة بالسقوط.
وانتقد الحزب “تجاهل عشرات المراسلات المقدمة من طرفه لدى الجهات المعنية بخصوص هذا الموضوع الخطير”، معتبرا أن هذا الأمر “يرقى لمستوى الامتناع المتعمد عن تقديم المساعدة لأشخاص في خطر، بما يجعله جريمة مكتملة الأركان تستوجب المساءلة والمحاسبة الجنائية والإدارية والأخلاقية والسياسية”، وفق تعبيره.
إقرأ أيضا: السلطات تلغي جميع احتفالات “تطوان عاصمة المتوسط” حدادا على ضحايا فاجعة المدينة العتيقة
وطالب الأمين العام للحزب، إسحاق شارية، في بلاغ له، النيابة العامة بفتح تحقيق عاجل وترتيب المسؤوليات، كما أعلن عزمه إطلاق عريضة موجهة إلى الملك محمد السادس، ملتمسا تدخله لإنقاذ المدينة العتيقة ورفع الضرر عن الساكنة.
وفي الاتجاه ذاته، قال مصطفى العباسي، نائب بجماعة تطوان، إن عشرات الأسر “تعيش بين الحياة والموت”، في ظل غياب تدخلات حقيقية لمعالجة هشاشة البنايات، بينما شدد فاعلون محليون على أن تكرار حوادث الانهيار يكشف محدودية المقاربات الحالية.
بدوره، اعتبر مصطفى تمسطاس، مستشار بجماعة تطوان، أن من بين أسباب سقوط المنازل بالمدينة العتيقة بتطوان عدم منح رخص الإصلاح لأصحابها، وكثرة العراقيل المسطرية، مضيفا في تدوينة له: “أعلنها حدادا لثلاث أيام على روح شهيدي عراقيل رخص الإصلاح بالمدينة العتيقة لتطوان”.
كما علق أنس مرزوق، المستشار بجماعة تطوان، على الفاجعة بالقول: “ضحية سياسات عمومية لا تعالج عمق مشاكل المواطن.. هدشي فايت وقع فمسجد باب بردعاين فمكناس 2011، ووقع في مدينة فاس فالسنوات الماضية، ووقع أمس بتطوان.. ومزال لاقدر الله يقدر يوقع”.
وفي السياق ذاته، اعتبر أشرف بن ميمون، رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أن ما وقع “ليس حادثا عرضيا، بل نتيجة مباشرة للإهمال”، مشيرا إلى أن الفاجعة تعكس اختلالات عميقة في تدبير ملف السكن.
وتساءل بن ميمون: “كم من مرة يجب أن تتكرر المأساة حتى تتحرك الجهات المسؤولة؟”، مؤكدا أن المنازل الآيلة للسقوط “ليست قدرا، بل عنوان لسياسات عمومية فاشلة في ضمان الحق في السكن اللائق”، مضيفا أن “التحذيرات والتقارير موجودة، لكن الإرادة غائبة”.
واعتبر أن ما وقع اليوم “جريمة صامتة تُرتكب في حق الفقراء، الذين يُتركون لمواجهة خطر الموت كل يوم داخل بيوت مهددة بالانهيار”، مشددا على أن “الحق في السكن ليس امتيازا بل حق دستوري”، داعيا إلى الانتقال من التعازي إلى المحاسبة، واتخاذ تدخل عاجل وجذري ينهي هذا النزيف قبل أن نعد ضحايا جدد، وفق تعبيره.
غضب واسع
وسجل نشطاء محليون أن مئات الطلبات المتعلقة بالإصلاح والترميم لم يتم البت فيها، فيما تم منع بعض السكان من القيام بإصلاحات بسيطة بدعوى الحفاظ على الطابع المعماري للمدينة العتيقة، وهو ما اعتبروه تناقضا يفاقم المخاطر بدل الحد منها.
في هذا الصدد، يقول أحمد الحبشي، ابن المدينة القديمة لتطوان: “مئات طلبات الإصلاح في مقاطعة المدينة العتيقة. تصنيف عشرات المنازل في وضعية خطرة. مئات الدعوات من الغيورين على المدينة العتيقة بضرورة إصلاح المنازل المأهولة، وهدم المنازل المهجورة الآيلة للسقوط والتي لا أمل في ترميمها. لكن ما النتيجة؟”.
وتابع: “صم بكم، واستغلال للتراث للحصول على المناصب، والظهور في الأضواء، والافتخار بالأطلال والبؤس”، مضيفا: “في الواقع هذا التراث يتحول إلى سفاح يقتل الناس ويهدد حياتهم، ويجعل كل دقائقهم داخل المدينة العتيقة معاناة من الأخطار، القطرة، الروائح الكريهة في الخرب، المدمنين الذين يحولون الخرب إلى مراكز للبيع والتخدير”.
بالموازاة مع ذلك، انتقدت أصوات مدنية ما وصفته بـ”اختلال ترتيب الأولويات”، معتبرة أن توجيه ميزانيات مهمة نحو المهرجانات والأنشطة الفنية، في وقت تعاني فيه البنيات السكنية من هشاشة خطيرة، يطرح تساؤلات حول السياسات العمومية المعتمدة على المستوى المحلي.
إقرأ أيضا: فاجعة ليلية بتطوان.. مصرع طفلين إثر انهيار سقف منزل بالمدينة العتيقة (فيديو)
تقول الناشطة بثينة مسقال: “هناك شعور متزايد بأن كلفة التسويق الخارجي للمدينة وتلميع صورتها كوجهة سياحية وثقافية، أصبحت تأخذ حيزا من الاهتمام يطغى أحيانا على الحق الأساسي في سكن أمان لساكنة الأحياء الهشة”، مشددة على أن “تمثيل المدينة في عواصم العالم هو بلا شك تشريف وقيمة مضافة، لكن هذا البريق الخارجي يصبح مؤلما حينما تنهار الجدران فوق رؤوس قاطنيها في الداخل”.
وتساءلت: “ما قيمة أن نكون عاصمة للثقافة إذا كانت بيوتنا القديمة تفقد أرواحها؟”، مردفة أن الثقافة الحقيقية لأي مدينة لا تقاس بعدد السياح أو بجودة الملصقات الدعائية، بل تبدأ أولا من صون كرامة وحياة إنسانها قبل صون جدرانها التاريخية، معتبرة أنه “أن الأوان لندرك أن أي استثمار في تجميل الواجهات يظل ناقصا ما لم يرافقه استثمار مواز في تأمين القواع”.
من جانبها، تساءلت ثريا البراج، رئيسة جمعية المرأة المناضلة بتطوان، بالقول: “من يتحمل المسؤولية في هذا الإهمال؟ إنها جريمة مكتملة الأركان. عندما يصل الإهمال إلى قتل أرواح بريئة كان من الممكن تدارك الأمر والاستجابة للأصوات المنادية للإصلاح”.
وانتقدت الناشطة نسيبة الكحلون، بشدة المسؤولين بالمدينة، قائلة: “الطفلان يتيما الأب، توفي والدهم قبل 6 سنوات، عاشوا في منزل آيل للسقوط في مدينة يهتم مسؤوليها بالحوار والانفتاح والتعايش مع أي مخلوق إلا أبناءها. لم يأبه لهما أحد وهما يعانيان، والآن قرر المسؤولين توقيف فعاليات تطوان العاصمة دالانفتاح باش يشدوا الأفواه او يشدوا الباب على ضمائرهم. زعما حيدت اللومة عليا”.
وأضافت: “لا محيدتيشي اللومة عليك، روح اليتيمين في رقبتكم أجمعين يا من أهملتم مدينة تعتبر تراثا إنسانيا، هذا المنزل هو واحد من مئات المنازل المهددة بوفاة الأرواح داخلها.. مبغيناش أصوات نسائية ومهرجان سينما المتوسط وعاصمة السخافات… بغينا حقن الدماء والحفاظ على الأرواح، بغيناكم تحشموا على عرضكم وتفكروا في ربي قبل ما تنعسو. دم الطفلين في رقبة مسؤولي تطوان”.
مطالب بتعجيل الإصلاح
كما دعا فاعلون إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم للتعمير داخل المدينة العتيقة، مؤكدين أن الاكتفاء برخص إصلاح “شكلية” لا يعالج الاختلالات البنيوية للمباني المتهالكة، مطالبين بالسماح في بعض الحالات بالهدم وإعادة البناء حين يشكل العقار خطرا داهما.
وأوضح مروان بنفارس، ناشط محلي وصاحب مشروع بالمدينة العتيقة لتطوان، أن “حماية أرواح الساكنة والحفاظ على هذا الموروث يتطلب قطيعة حقيقية مع الحلول الترقيعية، من خلال رصد ميزانيات واقعية بحيث لا يمكن ترميم مدن بكاملها بتمويلات محدودة؛ بل نحن بحاجة إلى اعتمادات مالية ضخمة توازي حجم التحديات الإنشائية والتقنية لهذه المباني المتهالكة”.
واعتبر بنفارس أن الاستمرار في منح تراخيص صورية لا تلمس جوهر المشكلة هو بمثابة تأجيل للكارثة فقط، مشيرا إلى أنه إذا لم تتحرك السلطات لتغيير القوانين وتوفير الدعم المالي الحقيقي، فسنظل ننتظر فواجع أخرى تحت أنقاض بيوت لم تعد قادرة على الصمود، وفق تعبيره.
وقال الناشط مروان الداهية أنه “لا يستقيم في تطوان رفع شعار «عاصمة الثقافة المتوسطية» فيما تتداعى جدران المدينة العتيقة على رؤوس ساكنتها”، معتبرا أن انهيار بناية آيلة للسقوط ليست واقعة معزولة، بل نتيجة مباشرة لسياسات مؤجلة، وإخلال جسيم بترتيب الأولويات.
ولفت إلى أن إن “ما جرى يكشف خللا بنيويا في تدبير الشأن المحلي؛ حيث تصرف الجهود على صناعة الواجهة الرمزية عبر التظاهرات والاحتفاليات، بينما يترك الأصل، أي سلامة الإنسان وحقه في السكن الآمن، عرضة للإهمال والتسويف. ليست الأزمة في ندرة الموارد، بل في كيفية توجيهها، وفي غياب إرادةٍ حقيقية لترجمة الشعارات إلى سياسات عموميةٍ فعالة”.
وتابع قوله: “أي معنى لثقافة تختزل في مشهد احتفالي عابر، ولا تمتد لتشمل حماية الذاكرة العمرانية وصيانة الفضاءات التاريخية؟ وأي جدوى لحوار يرفع كشعار، في ظل تدبير يغيب عنه إشراك الساكنة، ويطغى عليه منطق رد الفعل بدل التخطيط الاستباقي؟”.
من جهته، أشار الناشط هشام المتاغي، إلى أنه خلال أقل من شهرين فقط، انهار منزل بحي السانية في المدينة العتيقة، تلاه انهيار المحطة الطرقية القديمة، ثم تفاقمت الأزمة بانحسار بعض أجزاء مبنى البلدية، قبل أن تقع الفاجعة الكبرى الليلة الماضية.
واعتبر أن “هذه الانهيارات المتتالية ليست مصادفة، بل نتيجة تراكم إهمال ممنهج وفشل في إدارة مخاطر الإنهيارات في المدينة العتيقة، التي تعد تراثا عالميا مدرجا في قائمة اليونسكو، والتي تعاني من تآكل هيكلي يعود إلى عقود من الإهمال، معرضة سكانها لخطر دائم. ومع ذلك، يبدو أن المسؤولين محليا وجهويا يشاهدون الانهيار أمام أعينهم دون أن يحركوا ساكنا، كأن الأمر مجرد حدث عابر”.
ويرى المصدر ذاته أنه “منذ سنوات، أُنفقت ميزانيات طائلة على مشاريع ترميم المدينة العتيقة. لجان متخصصة وشركات ومقاولات تدّعي إنجاز أعمال إصلاحية هائلة، لكن الواقع على الأرض ينفي ذلك تماما. لا شيء يُرى من تلك الإنجازات المزعومة: الجدران المتشققة ما زالت على وشك السقوط، والأسقف الهشة تتفتت يوما بعد يوم”، متسائلا: “أين ذهبت الأموال؟ وكيف سمحت هذه اللجان بإغلاق ملفات المشاريع دون رقابة حقيقية؟”.
وأضاف أن “الطفلان البريئان اللذان فقدا حياتهما هما الضحيتان الأبرز لهذا الفشل، لكنهما ليسا الأوائل ولا الأخيرين، فعشرات العائلات تعيش في مخاوف يومية، وتاريخ المدينة نفسه مهدد بالزوال إن استمر الوضع على ما هو عليه”، داعيا إلى ما أسماه “رفع راية المحاسبة العاجلة، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة لمراجعة ميزانيات الترميم، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانهيارات، بما في ذلك رؤساء اللجان والمقاولين.
المصدر:
العمق