يدخل المغرب مرحلة جديدة في مسار تنزيل الجهوية المتقدمة، عبر مشروع قانون تنظيمي يروم تغيير وتتميم القانون رقم 111.14 المتعلق بالجهات، الذي اعتمده المجلس الوزاري الأخير، المنعقد بالرباط تحت رئاسة الملك محمد السادس.
وحسب المذكرة التقدمية لمشروع القانون الذي حصلت “العمق المغربي” على نسخة منه، يأتي هذا النص التشريع الجديد، الذي أعدته وزارة الداخلية، في إطار مراجعة شاملة لهندسة التدبير الترابي، بهدف تجاوز الاختلالات التي رافقت التجربة السابقة، خاصة على المستويين التقني والمالي، مع تعزيز تموقع الجهة كرافعة أساسية للتنمية المستدامة والاستثمار المنتج.
يأتي مشروع القانون التنظيمي القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات في سياق مواصلة تنزيل ورش الجهوية المتقدمة، وذلك تنفيذا للتوجيهات الملكية الواردة في مختلف الخطب الملكية، ولاسيما تلك التي تدعو إلى اعتماد جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة.
ويرتكز هذا التوجه على تثمين المؤهلات والخصوصيات المجالية، وترسيخ مبادئ التكامل والتضامن بين المجالات الترابية، إلى جانب تعزيز الاستثمار المنتج وتطوير البنيات التحتية والخدمات الأساسية.
إقرار نظام انتقالي
ويستند هذا المشروع المرتقب أن تحيل الحكومة قريبا على أنظار البرلمان إلى ثلاثة محاور رئيسية تروم إرساء إطار قانوني ومؤسساتي يضمن التنزيل الأمثل والفعال للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة. وتهم هذه المحاور آليات التنفيذ، واختصاصات الجهات، إضافة إلى مواردها المالية.
وفي ما يتعلق بأبرز مقتضيات المشروع، ينص على تدقيق وتفعيل اختصاصات الجهة، مع تعزيز مساهمتها في تحقيق التنمية، من خلال إعادة توجيه تدخلاتها نحو الاستثمار المنتج باعتباره رافعة أساسية للإقلاع الاقتصادي وخلق فرص الشغل. كما يقترح المشروع تحويل بعض الاختصاصات الذاتية إلى اختصاصات مشتركة مع الدولة، بهدف تعزيز نجاعة تدخل الجهة وتقوية دورها في المجال الاقتصادي.
ومن بين المستجدات التي يتضمنها المشروع أيضا، تحويل الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركة مساهمة، تخضع لأحكام هذا القانون التنظيمي ولمقتضيات القانون رقم 17.95 المتعلق بشركات المساهمة ونظامها الأساسي، بما يهدف إلى إضفاء مزيد من المرونة والسرعة على إنجاز العمليات المرتبطة بتنفيذ مشاريع وبرامج التنمية، مقارنة بالمساطر المعمول بها في تدبير المؤسسات العمومية. كما ينص المشروع على إقرار نظام انتقالي يضمن حلول الشركة محل الوكالة في مجموع حقوقها والتزاماتها.
وعلى صعيد الموارد المالية، يقترح المشروع تقوية الإمكانات المالية للجهات من خلال الرفع من سقف الاعتمادات المرصودة بميزانياتها بنسبة 20 في المائة، بما يمكنها من ممارسة اختصاصاتها على الوجه الأكمل، ويعزز استقلاليتها المالية، فضلا عن ضمان مساهمتها الفعلية والمنتظمة في تمويل وتنفيذ برامج التنمية الترابية.ويحمل المشروع تحولات مؤسساتية بارزة، في مقدمتها تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة تحت مسمى “الشركات الجهوية للمشاريع”.
ضبط مهام الجهات
ويرتقب أن يتيح هذا التحول اعتماد آليات تدبير مرنة قائمة على قواعد القانون الخاص، بما يسهم في تسريع إنجاز المشاريع والرفع من نجاعتها. كما يُخوَّل لهذه الشركات توسيع مجال تدخلها ليشمل تنفيذ مشاريع لفائدة الدولة أو جماعات ترابية أخرى في إطار تعاقدي، مع التنصيص على نقل تلقائي لكافة الأصول والخصوم، وضمان استمرارية الحقوق المهنية والاجتماعية للمستخدمين، بما في ذلك أنظمة التقاعد.
وفي ما يتعلق بهندسة الاختصاصات، يقر المشروع إعادة ضبط دقيقة لمهام الجهات، عبر التمييز الواضح بين الاختصاصات الذاتية والمشتركة، مع توجيه الجهود نحو المجالات ذات الأثر الاقتصادي المباشر. وتشمل الاختصاصات الذاتية دعم الاستثمار من خلال مواكبة المقاولات وتعبئة العقار الاقتصادي، وإرساء التحول الرقمي عبر إعداد “المخطط المديري الجهوي للتنمية الرقمية” لتحديث الخدمات العمومية وتعزيز البنية التحتية التكنولوجية.
إضافة إلى ذلك، ينص المشروع الحكومي الجديد، تطوير منظومة التكوين المهني المستمر وإحداث مراكز جهوية للتكوين بالتدرج، انسجاما مع التوجهات الوطنية في مجال التشغيل. كما أسند المشروع للجهات دورا مباشرا في إنجاز وصيانة الطرق غير المصنفة التي تربط بين أكثر من إقليم، بما يعزز التكامل الترابي وفك العزلة.
في المقابل، أعاد المشروع تصنيف عدد من المجالات لتندرج ضمن الاختصاصات المشتركة مع الدولة، بعد أن كانت مصنفة سابقاً ضمن الاختصاصات الذاتية، ويتعلق الأمر خصوصا بالتنمية القروية والسياحة والسكن وحماية البيئة. ويهدف هذا التعديل إلى تحقيق التقائية أكبر بين السياسات العمومية وضمان تعبئة موارد مالية وبشرية مشتركة لتنفيذ البرامج ذات البعد الاستراتيجي.
تعزيز الاستقلالية المالية
وعلى المستوى المالي، يتضمن المشروع مقتضيات نوعية لتعزيز الاستقلالية المالية للجهات، حيث ينص على رفع الاعتمادات المخصصة لها بنسبة 20 في المائة، إلى جانب تمكينها من موارد جبائية قارة، تشمل 5 في المائة من حصيلة الضريبة على الشركات، و5 في المائة من الضريبة على الدخل، و20 في المائة من الرسوم المفروضة على عقود التأمين. كما يقر مبدأ إلزامي يقضي بألا يقل مجموع التحويلات المالية السنوية من الدولة لفائدة الجهات عن 12 مليار درهم ابتداء من سنة 2027، بما يوفر رؤية مالية مستقرة تُمكّن من برمجة المشاريع على المدى المتوسط والبعيد.
ويمتد الإصلاح ليشمل حكامة المجالس الجهوية، حيث ينص المشروع على إقرار نظام للتكوين المستمر لفائدة المنتخبين، بهدف تعزيز كفاءاتهم في مجالات التدبير والبرمجة والتتبع. كما يتضمن إجراءات لتبسيط مساطر تقديم العرائض من طرف المواطنات والمواطنين والجمعيات، بما يعزز آليات الديمقراطية التشاركية ويوسع قاعدة الانخراط في اتخاذ القرار الترابي.
وفي السياق ذاته، يشجع المشروع على تطوير التعاون البين-جهوي من خلال إحداث “مجموعات الجهات”، كآلية لتنسيق الجهود وإنجاز مشاريع كبرى تتجاوز الحدود الجغرافية لجهة واحدة، خاصة في مجالات البنيات التحتية والتنمية الاقتصادية.
كما يتضمن المشروع مقتضيات تنظيمية إضافية تروم تحسين آليات التخطيط والبرمجة، من خلال تعزيز دور برامج التنمية الجهوية كوثيقة مرجعية ملزمة، وربطها بشكل أوثق بمصادر التمويل وبآليات التتبع والتقييم. ويشدد أيضا على ضرورة اعتماد مؤشرات لقياس الأداء ونجاعة المشاريع، بما يعزز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويراهن هذا المشروع على إحداث نقلة نوعية في أداء الجهات، عبر تمكينها من أدوات تنفيذية أكثر فعالية، وموارد مالية مستقرة، وإطار قانوني أكثر وضوحاً وتكاملا. ومن المنتظر أن يساهم دخوله حيز التنفيذ في تسريع تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الجهوية المندمجة، وتعزيز دينامية الاستثمار، وتقليص الفوارق المجالية، بما ينسجم مع التوجهات الاستراتيجية الكبرى للمملكة.
المصدر:
العمق