ردا على تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي التي قال فيها إن الحسم في القضايا ذات الطابع الشرعي يظل من اختصاص المجلس العلمي الأعلى، ولا يمكنه تجاوز هذا الإطار أو منح نفسه صلاحيات لا تدخل ضمن مهامه، دعت الهيئة الوطنية للعدول إلى توضيح الأساس الذي تم الاعتماد عليه في رفض بعض مطالبها المهنية، مطالبة بنشر أي فتوى صادرة في الموضوع كاملة للعموم، ومؤكدة أن مطالبها تندرج ضمن إصلاحات تنظيمية وقانونية لا تستدعي إقحام المرجعية الدينية.
ففي رد مباشر على التصريحات المنسوبة إلى وزير العدل عبد اللطيف وهبي، والتي تفيد برفض بعض مطالب هيئة العدول استنادا إلى فتوى صادرة عن المجلس العلمي الأعلى، خرج المجلس الجهوي للعدول باستئنافية الرباط ببيان توضيحي، مؤكدا أن ما تم تداوله يثير عدداً من الإشكالات المرتبطة بطبيعة الفتوى وحدود توظيفها في قضايا تنظيم المهنة، ومشددا على ضرورة التمييز بين المرجعية الدينية والاختيارات القانونية والتنظيمية المؤطرة لمهنة العدالة.
وأكدت هيئة العدول أنها لم تطلع، إلى حدود الساعة، على أي فتوى رسمية صادرة في الموضوع، وهو ما يطرح، بحسب البيان، تساؤلات مشروعة حول وجودها من عدمه، مشددة على أن الفتوى، في أصلها الشرعي، تظل رأيا علميا اجتهاديا يُقصد به البيان والإرشاد، ولا ترقى إلى مرتبة القرار الملزم الذي يمكن توظيفه لإغلاق النقاش أو تبرير رفض مطالب مهنية مشروعة.
وفي هذا الصدد، طالبت الهيئة الوطنية للعدول بنشر الفتوى المزعومة كاملة للرأي العام، والتأكيد على أن الفتوى، إن وجدت، فهي للإعلام والإخبار وليست ملزمة، مع التشديد على أن مهنة العدالة مهنة قانونية منظمة تخضع لوصاية وزارة العدل وليست مجالاً للتكييف الديني.
كما جددت الهيئة تمسكها بالمطالب المهنية العادلة والمشروعة، داعياً إلى فتح حوار جاد ومسؤول قائم على الوضوح والاحترام المتبادل، ومؤكدة أن إصلاح المهنة لا يكون بالإحالة على الغموض، بل بالإنصات لأهلها وإشراكهم في بلورة الحلول، بما يخدم العدالة ويعزز ثقة المواطنين في مؤسساتها.
وسجل المصدر ذاته أن اللجوء إلى الفتوى في هذا الملف يطرح تساؤلات وجيهة بشأن معيار الاختيار ومدى انسجامه، خاصة في ظل غياب إحالات مماثلة على المجلس العلمي الأعلى في قضايا مجتمعية أخرى ذات أبعاد قيمية، معتبرا أن ذلك قد يُفهم منه نوع من الانتقائية في توظيف المرجعية الدينية.
وأضاف أن المجلس العلمي الأعلى، إن كان قد أُحيل عليه هذا الموضوع، فإنه يفترض أنه أبدى رأياً استشارياً في حدود اختصاصه، أسوة بباقي المؤسسات التي ساهمت بآرائها في مشاريع الإصلاح، مستبعداً أن يكون قد أصدر “فتوى” بالمعنى الاصطلاحي، لكون الموضوع لا يتعلق بمسائل الحلال والحرام، بل بمطالب مهنية وتنظيمية، وهو ما يميز بوضوح بين الرأي الاستشاري والفتوى الشرعية.
وأكدت الهيئة أنه في حال وجود فتوى فعلية، فإن مقتضيات الشفافية والأمانة العلمية تقتضي الإعلان عنها ونشرها للعموم، حتى تكون محل اطلاع ونقاش على بينة ووضوح، محذراً من أن عدم نشرها من شأنه أن يضعف الثقة في مسار الإصلاح ويغذي الالتباس.
وفي هذا السياق، شددت هيئة العدول على أن المطالب المهنية التي يطرحها العدول تندرج ضمن طبيعة تنظيمية ومؤسساتية، وتهدف إلى تطوير المهنة وتحديثها والارتقاء بأدائها بما يخدم المواطن ويصون حقوقه.
وأوضح المصدر ذاته أن من بين هذه المطالب رفع القيود غير المبررة على شهود اللفيف، وتمكين العدول من فتح حسابات ودائع خاصة بمعاملات البيع ضماناً لحقوق المتعاقدين، إلى جانب تحيين تسمية المهنة بما يعكس مهامها واختصاصاتها، فضلاً عن تمتيع العدول بنفس الحقوق والواجبات أسوة بباقي المهن القانونية، تحقيقاً لمبدأ تكافؤ الفرص.
واعتبر أن هذه المطالب تندرج ضمن الإصلاحات القانونية والتنظيمية ذات البعد الدستوري والمجتمعي، ولا تستدعي إقحام مؤسسة المجلس العلمي الأعلى، بقدر ما تتطلب نقاشاً مؤسساتياً مسؤولاً يراعي مصلحة المواطن ويعزز الثقة في العدالة.
وكان وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أكد تمسكه باحترام اختصاصات المؤسسات الدينية في ما يتعلق بالقضايا ذات الطابع الشرعي، وذلك في سياق تفاعله مع بعض المطالب المهنية، خاصة تلك الصادرة عن فئة العدول.
وشدد وهبي بمناسبة تقديم مشورع قانون المحاماة أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب على أن الحسم في هذه القضايا يظل من اختصاص المجلس العلمي، مبرزا أنه لا يمكنه تجاوز هذا الإطار أو منح نفسه صلاحيات لا تدخل ضمن مهامه.
وقال وزير العدل “المجلس العلمي هو اللي عندو الكلمة في القضايا الدينية، وأنا ما نقدرش نتجاوز هاد الاختصاص، ولا نعطي لنفسي صلاحيات ما عنديش”، كما تطرق أيضا إلى مسألة تدبير أموال المتقاضين، معبرا عن رفضه القاطع لأي ممارسات من شأنها المساس بحقوق المواطنين أو تعريض أموالهم للخطر.
المصدر:
العمق