نظّمت بعثة الاتحاد الأوروبي لدى المملكة المغربية، يوم الثلاثاء 14 أبريل 2026، لقاء مع ممثلي وسائل الإعلام بإحدى الفنادق الفخمة بمدينة الدار البيضاء، خصص لتسليط الضوء على مستجدات الشراكة الخضراء بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، بعد مرور ثلاث سنوات على توقيعها.
ويأتي هذا اللقاء في سياق الدينامية المتواصلة التي تعرفها العلاقات بين الجانبين في مجال الانتقال البيئي والتنمية المستدامة، حيث شكل مناسبة لعرض حصيلة التعاون في إطار “الشراكة الخضراء”، واستعراض أبرز الأولويات المرتبطة بها، وفي مقدمتها الانتقال الطاقي، وخفض انبعاثات الكربون، وتعزيز الاقتصاد الأخضر والأزرق، إضافة إلى دعم قدرات الصمود في مواجهة التغيرات المناخية، وحماية النظم البيئية.
وأكدت معطيات اللقاء أن هذه الشراكة، التي تم إطلاقها قبل ثلاث سنوات، باتت اليوم إطارا استراتيجيا لتقوية التعاون بين المغرب والاتحاد الأوروبي في القضايا البيئية والمناخية، بما ينسجم مع الالتزامات الدولية للحد من الاحتباس الحراري وتسريع التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.
وتم التطرق إلى المشاريع والبرامج المشتركة التي تم إطلاقها أو دعمها في هذا الإطار، خصوصاً تلك المتعلقة بالطاقة المتجددة، وتحسين النجاعة الطاقية، وتطوير حلول مبتكرة في مجالات الاقتصاد الدائري وتدبير الموارد الطبيعية.
وصرح دانييل دوطو، نائب رئيس الوفد، بمناسبة الذكرى الثلاثين لتوقيع اتفاقية الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، بأن هذه السنة تشكل محطة مفصلية في مسار العلاقات الثنائية، التي انطلقت منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، وأسست لمرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي بين الجانبين.
وأوضح دوطو أن هذه الاتفاقية لم تكن مجرد إطار قانوني للتعاون، بل شكلت تحولا نوعيا في طبيعة العلاقات بين الطرفين، إذ منحت المغرب “وضعا متقدما” يعكس عمق الشراكة ومستوى الثقة المتبادلة، ويجسد في الوقت ذاته خصوصية العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي مقارنة بباقي الشركاء.
وأضاف أن هذه الشراكة تتحرك داخل سياق جيوسياسي وجغرافي واستراتيجي بالغ الأهمية، حيث إن القرب الجغرافي بين الضفتين يعزز بشكل طبيعي دينامية التعاون، ويجعل من المغرب شريكا محوريا في محيطه الإقليمي، سواء في شمال إفريقيا أو داخل الفضاء الإفريقي الأوسع، بما في ذلك دوره داخل الاتحاد الإفريقي.
وأكد دانييل دوطو أن المغرب يعد شريكا أساسيا للاتحاد الأوروبي في عدد من القضايا الاستراتيجية الكبرى، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي، إضافة إلى التعاون الاقتصادي والتجاري الذي يشكل أحد الأعمدة الرئيسية للعلاقات الثنائية.
وفي هذا السياق، أبرز أن المبادلات التجارية بين المغرب والاتحاد الأوروبي تعرف دينامية قوية ومستمرة، حيث تشمل صادرات مغربية متنوعة مثل المنتجات الفلاحية، وصناعة النسيج، وقطاع السيارات، مقابل واردات مهمة من أوروبا تشمل المعدات الصناعية والتجهيزات والتكنولوجيا الحديثة، وهو ما يعكس تكاملا اقتصاديا متزايدا بين الجانبين.
وأشار المسؤول الأوروبي إلى أن المغرب يواصل سياسة تنويع شركائه الاقتصاديين، الأمر الذي يتيح فرصًا إضافية أمام دول الاتحاد الأوروبي لتعزيز استثماراتها في المملكة، خاصة من طرف دول مثل ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا وغيرها، في ظل مناخ استثماري يشهد تطورا مستمرا.
وأكد المسؤول الأوروبي أن هذا المسار يعكس دينامية إيجابية تهدف إلى تطوير العلاقات الاقتصادية، وتعزيز سلاسل الإنتاج والتبادل بين الضفتين، بما يخدم المصالح المشتركة للطرفين ويعزز الاستقرار الاقتصادي الإقليمي.
وفي جانب آخر، توقف دانييل دوطو عند أهمية التعاون في المجالات المبتكرة، مشيرا إلى أن الطرفين يعملان بشكل مشترك في قطاعات واعدة مثل الاقتصاد الأخضر، والابتكار، والتنمية المستدامة، وهي مجالات أصبحت اليوم في صلب الأولويات العالمية.
وشدد على أن التحديات البيئية والتغيرات المناخية تمثل رهانا مشتركا يفرض على المغرب والاتحاد الأوروبي تعزيز التنسيق والتعاون، سواء في ما يتعلق بسياسات التكيف مع التغير المناخي أو تطوير نماذج تنموية أكثر استدامة وشمولية.
وأضاف أن الأمن يظل أيضا أحد المحاور الأساسية في العلاقات الثنائية، بالنظر إلى التحديات الإقليمية والدولية المتزايدة، مؤكدا أن هذا المجال سيظل حاضرا بقوة في أجندة التعاون المستقبلية بين الطرفين.
وفي سياق حديثه عن منهجية العمل، أوضح دانييل دوطو أن التعامل مع القضايا الكبرى يتم عبر مقاربة شاملة ومندمجة بدل معالجة كل ملف بشكل منفصل، مشيرا إلى أن قضايا مثل التغير المناخي والهجرة والتنمية الفلاحية والصيد البحري مترابطة بطبيعتها، وتتطلب تنسيقا متعدد الأبعاد.
واعتبر أن هذه المقاربة الشاملة أكثر فاعلية وواقعية، لأنها تسمح بفهم أفضل للتداخل بين التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وتساعد على بلورة حلول متكاملة تخدم الطرفين.
وختم المسؤول الأوروبي تصريحه بالتأكيد على أن التعاون بين المغرب والاتحاد الأوروبي يظل نموذجا متقدما في الشراكات الدولية، قائما على الحوار المستمر والتقييم المشترك للمبادرات، مشيرا إلى زيارة قام بها مسؤولون من الوكالة المناخية في الرباط سنة 2024، والتي خلصت إلى انطباعات إيجابية للغاية حول مستوى الالتزام والتنسيق بين مختلف الفاعلين، مما يعكس جودة هذا الإطار التعاوني وآفاقه المستقبلية الواعدة.
ومن جهته، أكد جيرالد أوداز، رئيس قسم التنافسية الاقتصادية والبيئة والبنية التحتية، أن التعاون بين الاتحاد الأوروبي والمغرب يتم ضمن إطار استراتيجي متكامل تم إعداده بشكل مشترك مع الدول الأعضاء، بعد سلسلة من المشاورات المكثفة التي شملت مختلف الشركاء الأوروبيين.
وأوضح المسؤول الأوروبي أن هذا التنسيق الوثيق يعكس درجة عالية من الانسجام داخل الاتحاد الأوروبي بخصوص أولويات الشراكة مع المغرب، سواء في ما يتعلق بالسياسات العامة أو في تحديد مجالات التدخل الرئيسية.
وأضاف أن هذا النهج التشاركي يضمن وحدة الرؤية بين مؤسسات الاتحاد والدول الأعضاء، ويعزز فعالية العمل المشترك على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن المبادرات الكبرى، مثل ميثاق البحر الأبيض المتوسط، تم تطويرها في إطار تشاوري شامل مع الدول الأعضاء، بما يضمن توافقا واسعا حول الأهداف الاستراتيجية لهذه المبادرات، خاصة تلك المرتبطة بالاستقرار والتنمية المستدامة في المنطقة.
وشدد أيضا على أن الشراكة الخضراء بين الاتحاد الأوروبي والمغرب تمثل أحد المحاور الأساسية في العلاقات الثنائية، وقد خضعت بدورها لنفس النهج التشاركي القائم على التشاور مع الدول الأعضاء، ما يجعلها إطارا موجّها رئيسيا لتحديد أولويات التعاون، خصوصا في مجالات التحول الطاقي وحماية البيئة والتنمية المستدامة.
وأضاف جيرالد أوداز أن هذا التنسيق لا يقتصر على الملفات البيئية فقط، بل يشمل أيضا القضايا المرتبطة بالتغيرات الجيوسياسية، مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، حيث تمت دراسة تداعياته ضمن مقاربة أوروبية مشتركة، تضمن الحفاظ على انسجام السياسات الخارجية والاقتصادية للاتحاد.
وأكد أن مراجعة الوثائق الاستراتيجية للدول الأعضاء، مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، تكشف عن تقارب كبير في الأولويات، سواء تعلق الأمر بقضايا المياه أو الطاقة أو التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يعكس وجود رؤية أوروبية موحدة تجاه الشراكات مع دول الجوار، وفي مقدمتها المغرب.
واعتبر أن هذا التقارب الاستراتيجي يعزز فعالية التعاون ويمنح الشراكة بعدا أكثر استقرارا واستمرارية، خصوصا في ظل التحديات العالمية المتزايدة المرتبطة بالمناخ والموارد الطبيعية والنمو الاقتصادي.
وعلى المستوى العملياتي، أوضح المسؤول الأوروبي أن الاتحاد الأوروبي طور منذ بداية الألفية الجديدة أدوات مبتكرة لتمويل المشاريع الكبرى، تعتمد بشكل أساسي على مبدأ التمويل المختلط.
ويقوم هذا النموذج على دمج القروض الميسرة المقدمة من مؤسسات تمويل التنمية الأوروبية، مثل الوكالة الفرنسية للتنمية، والبنك الأوروبي للاستثمار، والمؤسسة الألمانية للتعاون المالي، مع منح مباشرة يقدمها الاتحاد الأوروبي، مما يسمح بتعبئة موارد مالية أكبر وتنفيذ مشاريع ذات أثر واسع.
وأكد أن هذا النهج التمويلي المدمج يتيح تنفيذ مشاريع كبرى في مجالات البنية التحتية، والطاقة، والبيئة، والتنمية الاقتصادية، مع ضمان استدامتها وفعاليتها على المدى الطويل، سواء في المغرب أو في باقي دول الشراكة.
وختم تصريحه بالتأكيد على أن هذا النموذج من التعاون، القائم على التنسيق الاستراتيجي والتمويل المبتكر، يعكس تطورًا مهمًا في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، ويؤسس لشراكة أكثر عمقًا وفعالية في مواجهة التحديات المشتركة.
وبالمقابل، أكد غايتان دوكرو، مسؤول السياسات في مجالات المناخ والطاقة والبيئة، أن الاتحاد الأوروبي يعد اليوم أكبر ممول عالمي لتمويل مشاريع المناخ، مشيرا إلى أن حجم التمويلات المقدمة في هذا المجال بلغ 31 مليار يورو خلال سنة 2024، في إطار التزام أوروبي متزايد بدعم التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.
وأوضح دوكرو أن المغرب يصنف ضمن أبرز المستفيدين من هذا التمويل، بالنظر إلى الشراكة المتقدمة التي تجمعه بالاتحاد الأوروبي، خصوصا في مجالات الانتقال الطاقي ومكافحة التغيرات المناخية، مؤكدا أن هذا الدعم ليس نظريا، بل يترجم إلى مشاريع وبرامج عملية يتم تنفيذها على أرض الواقع في عدة قطاعات.
وأضاف أن الدعم الأوروبي لعملية إزالة الكربون “decarbonation” أصبح عنصرا محوريا في السياسات المناخية للاتحاد، حيث يتم توجيه جزء مهم من هذه الجهود عبر آليات تمويل مبتكرة، تقوم أساسًا على إعادة توظيف عائدات تسعير الكربون داخل الاتحاد الأوروبي، أي فرض تكلفة مالية على الانبعاثات الملوثة.
وفي هذا السياق، أوضح أن هذه المقاربة تعتمد على مبدأ “من يلوّث يدفع”، وهو مبدأ يهدف إلى إدماج الكلفة البيئية للتلوث ضمن النظام الاقتصادي، بما يسمح بإعادة توجيه الموارد نحو مشاريع خضراء ومستدامة، تعزز من قدرة الدول على خفض الانبعاثات وتحسين جودة الحياة.
وأشار غايتان دوكرو إلى أن الاتحاد الأوروبي يشجع شركاءه، بما في ذلك المغرب، على تبني آليات مماثلة لتسعير الكربون، باعتبارها أداة فعالة ليس فقط لحماية البيئة، ولكن أيضا لتعزيز الحكامة المالية البيئية وتعبئة موارد داخلية جديدة موجهة نحو الاستثمار في الطاقات النظيفة.
ولفت إلى أن النقاشات الجارية في المغرب حول إمكانية إرساء ضريبة أو نظام وطني لتسعير الكربون تعكس وعيا متزايدا بأهمية هذا التوجه، وقدرته على دعم السياسات المناخية الوطنية وتعزيز تنافسية الاقتصاد في سياق الانتقال الطاقي العالمي.
وأكد أن اعتماد هذه الآليات من شأنه أن يحقق “أثرا مزدوجا”، يتمثل أولا في إدماج التكلفة البيئية الحقيقية في الدورة الاقتصادية، وثانيا في توفير موارد مالية إضافية يمكن إعادة استثمارها في مشاريع الحد من الانبعاثات، وتحسين كفاءة الطاقة، وتطوير البنية التحتية المستدامة.
وأبرز المسؤول الأوروبي أن الاتحاد الأوروبي يواكب هذه التحولات من خلال برامج دعم مباشرة موجهة إلى الصناعات والمقاولات الصغرى والمتوسطة، بهدف مساعدتها على التكيف مع متطلبات إزالة الكربون، وتعزيز قدرتها التنافسية في سوق عالمي يتجه بشكل متسارع نحو الاقتصاد الأخضر.
وأوضح أن هذه البرامج تشمل الدعم التقني والمالي، إضافة إلى نقل الخبرات والتكنولوجيا، بما يتيح لهذه الفئات الاقتصادية الاندماج بشكل أفضل في مسار التحول الطاقي، وتقليل بصمتها الكربونية دون التأثير على إنتاجيتها أو استقرارها الاقتصادي.
وختم غايتان دوكرو تصريحه بالتأكيد على أن التعاون بين الاتحاد الأوروبي وشركائه، وفي مقدمتهم المغرب، في مجال المناخ والطاقة، يمثل نموذجا متقدما للشراكة القائمة على الابتكار والمسؤولية المشتركة، ويعكس التزاما جماعيا بمواجهة التحديات البيئية العالمية من خلال حلول عملية ومستدامة.
المصدر:
العمق