أكدت فرق المعارضة بمجلس النواب أن مشروع القانون رقم 34.21 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، يجب أن يشكل قطيعة مع الاختلالات العمرانية، محذرة من استمرار التلاعبات في “شواهد التقسيم” وتناسل الأحياء “الإسمنتية” الفاقدة للمرافق الأساسية.
وخلال المناقشة العامة لمشروع القانون داخل لجنة الداخلية والجماعات الترابية بمجلس النواب، اليوم الثلاثاء، شددت المعارضة على ضرورة تدقيق المسؤوليات بين المنعشين والجماعات، وضمان حماية المال العام من التعويضات الخيالية، معتبرة أن الإصلاح الحقيقي يكمن في ربط التراخيص بالجودة وتوفير الخدمات الضرورية لضمان كرامة المواطن واستدامة التهيئة الحضرية.
وفي هذا الإطار، ثمن يوسف بيزيد، البرلماني عن فريق التقدم والاشتراكية، مضامين مشروع القانون رقم 34.21 المتعلق بالتجزئات العقارية، معتبرا أنه جاء لتوضيح عدد من الجوانب التي ظلت محل غموض في الممارسة، خاصة ما يتعلق بقيام بعض الجماعات بمنح شواهد إدارية “تقوم مقام التقسيم”، وهو ما اعتبره ممارسة خاطئة تفتح الباب أمام التلاعبات. وأكد أن هذه السلوكيات تتعارض مع مجهودات الدولة في مجال التحفيظ العقاري، حيث يتم أحيانا تفتيت العقارات إلى رسوم متعددة خارج الضوابط القانونية.
وسجل بيزيد وجود إشكالات قانونية تستدعي مزيدا من التوضيح، من بينها التداخل بين مقتضيات القانون وأحكام القضاء في ما يخص تقسيم العقارات داخل المجال الحضري، متسائلا عن مدى أولوية النص القانوني في مواجهة الأحكام القضائية.
كما حذر من تفاقم ظاهرة البناء العشوائي التي تسيء إلى المشهد العمراني وتفرغ جهود الدولة في إعادة الهيكلة من مضمونها، داعيا إلى اعتماد عقوبات صارمة وتعزيز المراقبة. وانتقد كذلك ما وصفه بـ“الترخيص الضمني” الناتج عن صمت بعض الإدارات، معتبرا أنه يؤدي إلى نزاعات قضائية مكلفة للجماعات.
ودعا البرلماني التقدمي إلى تدقيق عدد من المقتضيات المرتبطة بالمشروع، خاصة تحديد حصة المرافق العمومية داخل التجزئات، وضبط مساطر التسليم المؤقت والنهائي للأشغال مع تحديد المسؤوليات في حال ظهور عيوب لاحقة، تفاديا لتحمل الجماعات تكاليف الإصلاح.
كما أثار إشكالات بيع العقارات غير المجهزة وبعض ممارسات المنعشين العقاريين التي تضر بالمواطنين، إضافة إلى تعقيدات الملكية المشاعة، مؤكدا على ضرورة أن يضمن القانون حماية مصالح الدولة والجماعات والمواطنين عبر نصوص واضحة وصارمة.
من جانبه، نبه البرلماني فاضل براس عن الفريق الاشتراكي إلى الإكراهات الكبيرة التي تواجه الجماعات الترابية في ما يخص إنجاز المرافق العمومية داخل التجزئات العقارية، مشيرا إلى أن بعض المنعشين يطالبون بتعويضات وصفها بـ“الخيالية” مقابل هذه المرافق، وهو ما يثقل كاهل الجماعات ويخلق نزاعات متكررة، داعيا إلى ضرورة أن يتضمن مشروع القانون مقتضيات دقيقة وآليات أوتوماتيكية كفيلة بحل هذه الإشكالات بشكل نهائي.
كما شدد براس على أهمية اعتماد مقاربة مندمجة في برمجة وإنجاز المرافق، من خلال التنسيق المسبق بين مختلف القطاعات المعنية، كالصحة والتعليم وباقي المصالح اللاممركزة، لضمان تلبية الحاجيات الفعلية وتفادي بقاء هذه المرافق غير مستغلة.
وسجل في السياق ذاته أن المشروع تضمن نوعا من التحفيز والإلزام للمتدخلين، غير أنه أشار إلى أن جزءا كبيرا من التأخيرات في إنجاز التجزئات لا يرتبط بالمستثمرين، بل بتدخلات بعض الجهات المكلفة بشبكات الماء والكهرباء والتطهير، ما يستدعي تحديد المسؤوليات بشكل أوضح.
وفي ما يتعلق بإكراهات المنعشين، دعا البرلماني إلى مراعاة الحالات التي يكون فيها تأخر إنجاز المشاريع ناتجا عن عوامل خارجة عن إرادتهم، خاصة في الوسط القروي، متسائلا عن إمكانية اعتماد أثر رجعي لبعض مقتضيات القانون لمعالجة المشاريع العالقة. كما طالب بإقرار إمكانية التسليم الجزئي للتجزئات بدل ربطها بإنهاء المشروع ككل، معتبرا أن هذا الإجراء من شأنه تسريع وتيرة الإنجاز وتفادي تعطيل المشاريع بشكل كامل.
بينما، حذر عبد الصمد حيكر، البرلماني عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، من استمرار ما وصفه بمخاطر إنتاج أحياء سكنية عبارة عن “صناديق إسمنتية” داخل عدد من التجزئات العقارية، في حال عدم إلزام المنعشين العقاريين بإنجاز المرافق العمومية الأساسية بشكل متكامل.
وأوضح حيكر أن عددا من المشاريع السكنية قد تبدو مكتملة من حيث البناء، لكنها تفتقد إلى المدارس والبنيات التحتية والخدمات الأساسية، ما يجعلها أحياء غير متوازنة عمرانيا ويؤثر سلبا على جودة عيش المواطنين. واعتبر أن هذا الوضع ناتج عن اختلالات في تتبع إنجاز التجزئات وضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين، بما في ذلك المصالح التقنية والجهات المكلفة بالماء والكهرباء والتطهير.
ودعا البرلماني إلى إدراج مقتضيات أكثر صرامة داخل مشروع القانون لضمان عدم التساهل في إنجاز المرافق العمومية داخل التجزئات، وربط أي ترخيص أو تسليم نهائي بإنجاز فعلي لهذه التجهيزات، محذرا من أن استمرار الوضع الحالي يؤدي إلى توسع عمراني غير متكامل يفرز أحياء “إسمنتية” تفتقر لأبسط شروط العيش الكريم. وأكد أن أي إصلاح حقيقي في مجال التعمير يجب أن يقطع مع منطق البناء فقط، نحو تخطيط حضري يدمج السكن والخدمات والبنية التحتية بشكل متوازن.
وأكد على أن الهدف من مراجعة منظومة التجزئات العقارية ينبغي أن يكون هو تحسين جودة العمران وضمان العدالة المجالية، وليس فقط تسهيل الإجراءات الإدارية، داعيا إلى مقاربة تشريعية تضمن تنمية عمرانية مستدامة ومتكاملة.
* الصورة تعبيرية
المصدر:
العمق