على امتداد الساحل المتوسطي لجماعة رأس الماء، بإقليم الناظور، يبرز المنحدر الصخري المعروف محليا بـ”ليروشي” المقابل للجزر الجعفرية المحتلة، كواحد من أكثر الفضاءات الطبيعية جذبا للزوار بجهة الشرق. غير أن هذا الموقع، الذي يجمع بين جمال المناظر البحرية وإثارة المغامرة، أصبح في السنوات الأخيرة محط نقاش متزايد، بسبب ما يطرحه من تحديات مرتبطة بسلامة مرتاديه، في ظل غياب تهيئة ملائمة تؤطر الإقبال المتنامي عليه.
ومع اقتراب فصل الصيف، يبدأ “ليروشي” في استقطاب أعداد متزايدة من الشباب، الذين يقصدونه من مختلف مدن الجهة وخارجها، بحثا عن تجربة القفز من المرتفعات الصخرية نحو مياه البحر. مشهد يتكرر يوميا، حيث يقف بعضهم على حافة الصخور، يتأملون عمق المياه قبل أن يندفعوا في قفزات استعراضية، وسط تشجيع أصدقائهم وفضول المتفرجين.
يقول أحد الزوار، وهو شاب قدم من مدينة وجدة، إن “المكان يمنح إحساسا فريدا بالمغامرة والحرية، خصوصا مع صفاء المياه وجمال الطبيعة”، مضيفا أن القفز من “ليروشي” أصبح تقليدا موسميا بالنسبة له ولأصدقائه. غير أن هذا الحماس لا يخلو من مخاطر، إذ يشير بعض المتتبعين إلى تسجيل حوادث متفاوتة الخطورة، نتيجة غياب شروط السلامة الأساسية.
ولا يقتصر الإقبال على هواة القفز فقط، بل يمتد ليشمل عشاق الصيد بالقصبة، الذين يتخذون من الصخور منصة لممارسة هوايتهم، خاصة خلال الفترات المسائية والليلية. وفي هذا السياق، يؤكد أحد الصيادين الهواة أن “سواحل رأس الماء معروفة بغنى مخزونها السمكي، وهو ما يجعل المكان مفضلا لدى الكثيرين”، لافتا إلى أن الصيد هنا يجمع بين المتعة والهدوء بعيدا عن صخب المدن.
إلى جانب ذلك، يجاور “ليروشي” شاطئ “قابوياوا”، الذي يعتبره السكان المحليون من أجمل شواطئ المنطقة، حيث تقصده العائلات وأفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، بفضل طابعه الهادئ ونظافته مقارنة ببعض الشواطئ الأخرى.
كما تساهم مطاعم السمك المنتشرة بالجماعة في تعزيز جاذبية المنطقة، إذ يفضل الزوار تذوق الأسماك الطازجة التي يتم جلبها مباشرة من البحر.
غير أن هذا الزخم السياحي، وفق مصادر محلية، لا يواكبه تنظيم كاف، إذ تسجل اختلالات تتعلق بغياب مراقبة الأسعار، سواء في المطاعم أو مواقف السيارات أو كراء المظلات والطاولات، ما يطرح تساؤلات حول مدى جاهزية المنطقة لاستقبال موسم اصطياف ناجح.
في المقابل، يثير منحدر “ليروشي” مخاوف حقيقية لدى فعاليات حقوقية، تحذر من تحوله إلى “نقطة سوداء” تحصد الأرواح، في ظل استمرار القفز في ظروف عشوائية.
ويؤكد أحد الحقوقيين أن “المشكل لا يكمن في القفز بحد ذاته، بل في غياب التأطير والتجهيزات الضرورية التي تضمن سلامة الشباب والمتفرجين”.
ويضيف المتحدث أن الاقتصار على المنع أو التحذير لم يعد كافيا، داعيا إلى اعتماد مقاربة وقائية تقوم على تهيئة فضاء مخصص وآمن للقفز، مع تحديد عمق المياه بشكل دقيق، وتثبيت سلالم للإنقاذ وأطواق نجاة، فضلا عن وضع حواجز واقية تحمي المتجمهرين فوق الصخور، خاصة الأطفال، من خطر الانزلاق أثناء هيجان البحر.
كما يشدد مهتمون على ضرورة تعزيز الموقع بفرق من السباحين المنقذين خلال فصل الصيف، إلى جانب تثبيت لوحات تشوير واضحة تبين اتجاه التيارات البحرية وأوقات الخطر، بما يمكن الزوار من اتخاذ قرارات واعية أثناء ممارسة أنشطتهم.
ورغم وجاهة هذه المقترحات، تشير مصادر إدارية إلى أن تنفيذها يواجه عدة عراقيل، من بينها محدودية الإمكانيات المالية للجماعة، وغياب تنسيق فعلي بين مختلف المتدخلين. كما يطرح هاجس المسؤولية القانونية نفسه بقوة، إذ تتخوف بعض الجهات من تبعات تأهيل موقع معروف بخطورته، في حال وقوع حوادث رغم توفير شروط السلامة.
في ظل هذا الوضع، تبدو الحاجة ملحة إلى تدخل منسق يجمع بين السلطات المحلية والجماعات الترابية والمصالح المختصة، من أجل وضع تصور متكامل لتأهيل “ليروشي”، يوازن بين تثمين مؤهلاته السياحية وضمان سلامة مرتاديه. فالمكان، كما يجمع عليه الزوار، يستحق أن يكون وجهة آمنة بقدر ما هو فضاء طبيعي استثنائي.
المصدر:
العمق