في ظل الأزمات المتلاحقة التي عصفت بأسواق الطاقة العالمية، بدءا من الحرب في أوكرانيا وصولا إلى التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط والتي أدت إلى إغلاق الممر الحيوي مضيق هرمز، وجدت الجزائر نفسها أمام فرصة سانحة لاستغلال حاجة أوروبا الماسة للغاز.
وبدلا من الاضطلاع بدور الشريك الموثوق الذي يساهم في استقرار الأسواق، سعت الجزائر إلى تحويل مواردها الطبيعية إلى سلاح جيوسياسي، بهدف وحيد وهو محاولة كسر العزلة الدبلوماسية التي فرضتها عليها النجاحات المتتالية للمملكة المغربية في ملف الصحراء، والتي توجت باعتراف دولي واسع النطاق بمغربية الصحراء وبجدية ومصداقية مقترح الحكم الذاتي.
وتجلت هذه الاستراتيجية العدائية بشكل صارخ في سياسة الابتزاز الطاقوي التي مارستها الجزائر، حيث قامت بمعاقبة إسبانيا على قرارها السيادي بدعم المبادرة المغربية عبر إغلاق خط أنابيب الذي يمر من المغرب في اتجاه أوروبا ومراجعة أسعار الغاز بشكل تعسفي.
وفي المقابل، حاولت استمالة دول أخرى مثل إيطاليا عبر وعود بزيادة الإمدادات، في مناورة واضحة تهدف إلى شق الصف الأوروبي وخلق جبهة ضغط تخدم أجندتها الانفصالية في المنطقة. هذه التحركات لم تكن مجرد قرارات تجارية، بل كانت تعبيرًا عن إحباط عميق من تآكل الطرح الانفصالي الذي ترعاه، وسعيًا يائسًا لربط أمن الطاقة الأوروبي بمواقف سياسية تخدم مشروعها لزعزعة استقرار المنطقة.
وفي هذا السياق، كشف عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش”، أن لجوء الجزائر إلى “استعمال ورقة الغاز كأداة دبلوماسية جيوسياسية” لمواجهة النجاحات المغربية في ملف الصحراء، قد باء بالفشل في تحقيق “الانقلاب السياسي المنشود”. وأوضح المصدر في تصريح لجريدة “العمق المغربي” أن هذه الاستراتيجية تأتي بعد فترة من “الإحباط” جراء دعم غالبية دول العالم لمقترح الحكم الذاتي المغربي، وتعتبر تدابير “للتعافي نحو استعادة القدرة التصديرية” وليس “قفزة نوعية للتأثير في القرار الأوروبي”.
وأكد الخبير في ملف الصحراء أن الجزائر تتبنى “سياسة الاقتصاد الموجه للأهداف السياسية”، مشيرا إلى إقدامها على إغلاق خط أنابيب المغرب العربي-أوروبا سنة 2021 كإجراء “عقابي ضد المملكة المغربية”. وأضاف أن الجزائر سعت لتوطيد روابطها مع إيطاليا “لموازنة النفوذ المغربي” في فرنسا وإسبانيا بعد مواقفهما التي تتعارض مع المواقف الجزائرية، مما فجر أزمة دبلوماسية حادة.
وأرجع المصدر هذه “الإخفاقات الجزائرية” إلى التحول في الإجماع الدولي بشأن قضية الصحراء المغربية، خصوصا بعد قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي وصف مقترح الحكم الذاتي المغربي “بالجدية والمصداقية”. وتابع أن الجزائر تواجه “عزلة واسعة النطاق” نتيجة تراجع علاقاتها مع الولايات المتحدة والمغرب ودول تحالف الساحل، فضلا عن تضرر سمعتها كشريك موثوق بعد تسييسها لملف الطاقة.
واعتبر الكاين أن مسألة “استمالة الفاعلين الدوليين” بدأت مع قانون المحروقات المحدث سنة 2021، والذي قدم “دعوة سخية” لشركات “شيفرون” و”إكسون موبيل” الأمريكيتين. وأشار إلى أن هذه الخطوات تأتي في سياق طموحات جزائرية لإنتاج 200 مليار متر مكعب من الغاز خلال خمس سنوات، بعد تحقيق زيادة في الإنتاج بلغت 10 ونصف مليار متر مكعب بزيادة قدرها 7% مقارنة بالسنة الماضية.
ولفت المتحدث الانتباه إلى أن هذا التوسع يعتمد على احتياطات هائلة من النفط الصخري، رغم ما خلفه الشروع في استغلاله من “مآس للسكان”، حيث قوبلت الاحتجاجات في عين صالح وتمنراست وولايات ورقلة وإليزي بما وصفه بـ”تداخلات الأجهزة الأمنية العنيفة” و”القمع” من قبل السلطات.
وخلص المصدر إلى أن إعادة إحياء علاقات الجزائر الطاقوية، خاصة مع إسبانيا، لم يعد مبنيا على التأثير السياسي، بل على أساس “براغماتي طاقوي” للحفاظ على علاقة عمل وظيفية. وذكر أن إسبانيا، التي شكل الغاز الجزائري ركيزة لإمداداتها في 2026 حسب التقرير، لم تقدم “تنازلات تذكر على المستوى السياسي” فيما يخص موقفها الداعم للمملكة المغربية ومقترح الحكم الذاتي.
* الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
المصدر:
العمق