تعيش عدد من الدوائر الانتخابية على مستوى الدار البيضاء ونواحيها خلال الأيام الأخيرة على إيقاع نقاشات سياسية محتدمة، تزامنا مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة، حيث بدأت مؤشرات “حرب انتخابية مبكرة” تلوح في الأفق، وسط اتهامات متزايدة بوجود اختلالات خطيرة في تمويل الحملات.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر متطابقة لجريدة “العمق”، أن مجموعة من المنتخبين المحليين دخلوا في مشاورات موسعة داخل عدد من الدوائر، تمهيدا للتوجه نحو رفع شكايات رسمية إلى السلطات الإقليمية، تتعلق بما وصفوه بـ”الاستعمال غير المشروع للمال” في التحضير للاستحقاقات القادمة.
وتستهدف هذه الشكايات، بحسب المعطيات ذاتها، برلمانيين حاليين ومنتخبين نافذين يشتبه في انخراطهم في حملات انتخابية سابقة لأوانها، يتم ضخ أموال كبيرة فيها بشكل يضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين المتنافسين.
وتفيد المعطيات المتوفرة أن بعض الفاعلين السياسيين بالعاصمة الاقتصادية يعتمدون على مداخيل كراء مستودعات و”هنغارات” شيدت بطرق عشوائية، في خرق واضح لمقتضيات التعمير وضوابط تصاميم التهيئة العمرانية، حيث تحولت هذه الفضاءات إلى مصدر تمويل غير معلن لأنشطة انتخابية.
ويرجح أن هذه الموارد المالية تستغل في استمالة الناخبين وبناء قواعد انتخابية مبكرة، خاصة في الدوائر التي تشهد تنافسا حادا، والتي توصف في الأوساط السياسية بـ”دوائر الموت”.
وأثار هذا الوضع قلقا متزايدا داخل الأحزاب السياسية المنافسة، التي ترى في هذه الممارسات تهديدا مباشرا لنزاهة العملية الانتخابية، وانحرافا عن قواعد التنافس الشريف.
وباتت هذه الأحزاب تلوح بالتصعيد عبر اللجوء إلى القنوات القانونية، من خلال إعداد شكايات مفصلة موجهة إلى السلطات الإقليمية والعاملية، للمطالبة بفتح تحقيقات عاجلة ووضع حد لما تعتبره “توظيفًا غير مشروع للنفوذ والمال”.
وأشارت مصادر مطلعة إلى أن بعض المنتخبين المتورطين في هذه الممارسات ساهموا، بشكل أو بآخر، في انتشار البناء العشوائي بالمدينة، سواء عبر التساهل في المراقبة أو استغلال النفوذ، قبل أن يتحول هذا الواقع إلى مورد مالي مهم يدر عائدات كبيرة من الكراء، تستخدم لاحقا في تغذية الحملات الانتخابية.
ويطرح هذا الوضع أكثر من علامة استفهام حول فعالية آليات المراقبة، ودور المؤسسات المعنية في ضبط تمويل الحملات الانتخابية، خاصة في ظل تنامي الظواهر المرتبطة بالاقتصاد غير المهيكل واستغلاله في العمل السياسي.
وفي السياق ذاته، أكد معاذ شهير، وهو فاعل سياسي بمدينة الدار البيضاء، أن عددا من المنتخبين يلجؤون إلى استغلال مداخيل كراء “الهنغارات” والمستودعات العشوائية كمصدر أساسي لتمويل حملاتهم الانتخابية، مشيرا إلى أن هذه الأموال توظف، بحسب تعبيره، في التأثير على الناخبين وشراء الأصوات بهدف حسم نتائج بعض الدوائر الانتخابية الحساسة.
وأوضح شهير، في تصريح لجريدة “العمق المغربي”، أن خطورة هذه الممارسات لا تكمن فقط في بعدها غير القانوني، بل أيضا في طبيعة هذه الأموال التي وصفها بـ”غير القابلة للتتبع”، على اعتبار أنها لا تخضع لأي تصريح رسمي لدى الجهات المختصة، سواء لدى المجلس الأعلى للحسابات أو المصالح الجبائية، ما يجعلها خارج كل آليات المراقبة والمحاسبة، ويدخلها ضمن ما يعرف بالاقتصاد غير المهيكل أو “المال الأسود”.
وأضاف المتحدث أن اعتماد مثل هذه الأساليب يضرب في العمق قواعد الممارسة الديمقراطية السليمة، ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص بين المتنافسين، حيث يجد المرشحون الذين يلتزمون بالقانون أنفسهم في موقع ضعف أمام منافسين يستفيدون من موارد مالية ضخمة وغير مشروعة.
واعتبر أن استمرار هذه الظواهر من شأنه أن يفرغ العملية الانتخابية من مضمونها الحقيقي، ويحولها إلى مجرد سباق مالي بدل أن تكون تنافسا سياسيا قائما على البرامج والرؤى.
ولم يخف شهير تخوفه من التداعيات الاجتماعية والسياسية لهذه الممارسات، مشيرا إلى أنها تساهم بشكل مباشر في تآكل ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، وفي جدوى المشاركة السياسية ككل.
ونبه الفاعل السياسي إلى أن فئة الشباب تعد الأكثر تأثرا بهذا الوضع، حيث يدفعها الإحساس بعدم تكافؤ الفرص وغياب الشفافية إلى العزوف عن الانخراط في العمل السياسي، بل وإلى تنامي مشاعر السخط واللامبالاة تجاه الحياة العامة.
وختم تصريحه بالتأكيد على ضرورة تدخل الجهات المعنية بشكل عاجل لتشديد الرقابة على مصادر تمويل الحملات الانتخابية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن حماية المسار الديمقراطي وإعادة الثقة في المؤسسات، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها المشهد السياسي المحلي والوطني.
المصدر:
العمق