بقلم: د. مصطفى تاج
لا يختلف إثنان في أن أعمال عبد الكريم غلاب شكلت علامة فارقة في الأدب المغربي ، بما طرحته من أسئلة جوهرية كبرى حول منظومة التقاليد الراسخة وتحديات التحديث المستمرة. كيف لا وقد مزجت بين النقد والتاريخ والسياسة والاجتماع… ومتحت من تجربته الشخصية كمفكر ومؤرخ وصحفي وأديب وقائد سياسي ونقيب أثر بشكل قوي في مسار الحركة الوطنية المغربية قبل الاستقلال وبعده.
نعم، لقد تميز عبد الكريم غلاب بأن خصص جزءا كبيرا من تفكيره لثيمة الماضي بما يحمل من تاريخ الاستعمار وأنساق اجتماعية عتيقة وتقاليد أصيلة، ولعقدته المتمثلة في مجموع العقد النفسية والاجتماعية التي تعيق التحول الفردي والجماعي. فألف بذلك روايته “دفنا الماضي” سنة 1966 التي صور من خلالها محاولة المجتمع المغربي دفن ماضيه والاستقلال عن قيوده التاريخية، وعكس كذلك الاضطراب الداخلي للمجتمع والشخصيات أمام التغيير والتحول.
وهكذا، اعتبرت هذه الرواية كواحدة من أوائل الروايات المغربية المعاصرة التي طرحت بعمق حالة المجتمع المغربي في مرحلة ما بعد الاستقلال، وكوثيقة تاريخية واجتماعية تعكس التوتر بين القديم والجديد في لحظة مفصلية من تاريخ البلاد. حيث تناولت صراع المجتمع مع مخلفات الاستعمار، ومع الأنساق الاجتماعية القديمة والتقاليد المتجذرة، وكيف حاول دفن كل هذا للدخول إلى عصر جديد… وذلك من خلال انتهاء الرواية بأحداث رمزية، مثل جنازة الأب وإعلان استقلال المغرب، مع جملة “دفنا الماضي”.
لقد كان غلاب في قمة الإبداع بأن وظف رمزية الجنازة والطقوس المرافقة لها لإظهار الرغبة في تجاوز الماضي، لكنه في الوقت نفسه لمح إلى صعوبة هذا التجاوز، ما يعكس وجود عقدة نفسية متأصلة. هذه العقدة التي تجلت فيما واجهته شخصيات الرواية من صراعات داخلية بين التقاليد القديمة والتطلعات الحديثة. ومن مقاومة داخلية للتغيير، تعكس تأثير الماضي على النفس الفردية، بما يجعل الرغبة في التجديد تصطدم بذاكرة المجتمع، مما يخلق توترا نفسيا مستمرا، لم ينته بالجنازة ولا بانتهاء الرواية.
ذلك، أن عبد الكريم غلاب، عاد سنة 2006، أي بعد أربعين سنة على إصدار رواية “دفنا الماضي” ليكتب لنا رواية أخرى تحت عنوان “لم ندفن الماضي”، وفيها إقرار صريح بأن الماضي ما زال حاضرا في الوعي الجماعي للمغاربة. حيث انتقلت الرواية من المدينة إلى البادية والمجتمع التقليدي، موضحة أن الماضي لم يدفن بالكامل وأنه يظل يؤثر على القيم، والعادات، والهوية الثقافية للمغاربة.
رواية لم ندفن الماضي صورت الماضي كعنصر ثقافي واجتماعي يحد من التحول الفردي والجماعي، وخلصت إلى أن مواجهة الماضي واستيعابه ضروري لتجاوز العقد النفسية والاجتماعية، وهذا ما لم يستطع له المغاربة جهدا، إذ أن عقدة الماضي ليست مجرد ذكرى، بل هي جزء من الهوية، وكل محاولة لدفن الماضي بدون مواجهة حقيقية تؤدي إلى استمرار الصراعات الداخلية. وهذا ما جعلنا أمام حقيقة لا غبار عليها وهي أن التوفيق بين الماضي والحاضر هو شرط لتحقيق التوازن النفسي والاجتماعي.
وفي كلتا الروايتين يعالج غلاب فكرة الماضي بوصفه ذاكرة لا تزول بسهولة، حتى في المجتمعات التي تسعى إلى التقدم. فرواية دفنا الماضي تمثل مرحلة التفاؤل بإمكانية تجاوز الماضي، بينما رواية لم ندفن الماضي تمثل واقعية أكثر حين تعترف بأن الماضي ما زال عنصرا مؤثرا في الوعي الاجتماعي والفردي. ذلك أن الصراع بين الماضي والمستقبل ليس فقط اجتماعيا أو سياسيا، بل هو نفسي وثقافي أيضا. فالإنسان لا يتخلى عن ذاكرته بسهولة، كما أن إعادة تشكيل الهوية يستلزم مصالحة مع الماضي، لا فقط دفنه.
ورغم اختلاف مضمون العنوانين وسياقات إصدارهما إلا أن الروايتين اثنتيهما اتفقتا على أن دفن الماضي أو نسيانه ليس كافيا البتة، بل يتطلب الأمر مصالحة واعية مع الماضي لفهم الهوية وتحقيق النمو النفسي والاجتماعي. ذلك أن عقدة الماضي عند عبد الكريم غلاب مثلت معضلة مستمرة بين التقاليد والتجديد. وهنا نستنتج أنه ومن منظور نفسي واجتماعي، تظهر أعمال غلاب أن الذاكرة التاريخية والثقافية هي القوة التي تشكل الفرد والمجتمع، وتحدد قدرتهم على التغيير.
وكأننا بعبد الكريم غلاب يمتح من مدرسة التحليل النفسي، حين يتفق مع كارل يونغ في مفهوم اللا وعي الجمعي دون أن يذكره بشكل مباشر، ولكن من خلال التركيز على أن الماضي قد يبقى عالقا في وعي المجموعة أو الفرد بحيث يتحول إلى عقدة تعيد إنتاج نفسها في السلوكات، وردود الأفعال، وأنماط التفاعل. وهذا ما اعتمده الروائي المصري إحسان عبد القدوس في بناء روايته الشهيرة “بئر الحرمان”.
فالشخصيات التي اعتبرت لحظة الدفن وطقوس الجنازة بأنها بمثابة إعلان أمل في التحرر وتحرير الذات والمجتمع والهوية، هي نفسها التي أظهرت مقاومة داخلية واضحة للتحول الاجتماعي، فحتى مع إعلان الدفن، ظل الماضي حاضرا في سلوكاتهم وثرثراتهم ومخاوفهم وفي رسمهم للعلاقات الاجتماعية. إنها بكل بساطة عقدة الماضي التي تمنع الانتقال الكامل من زمن إلى زمن.
وحين يظل الماضي حيا رغم محاولة دفنه، فإننا أمام ذاكرة مكبوتة لا تحل إلا عبر الاعتراف به، واسترجاعه، ومواجهته بصراحة، ثم إعادة صياغته في وعي الشخص أو المجتمع. هذا هو ما نستخلصه من رسائل الروايتين، الماضي لا يدفن إلا حين يعاد استيعابه داخل بنى الوعي، وتأمله من جديد وبنظرة مغايرة من أجل الوصول إلى مصالحته وجدانيا وعقليا.
ومن جهة أخرى، وباستحضار ثنائية التقليد والتحديث هنا، التي تمحورت حولهما الروايتان، نتذكر أعمال جورج بالاندييه التي شكلت عصارات دراساته حول المجتمعات في المرحلة الانتقالية، مرورا من الطابع التقليدي القديم إلى الطابع العصري الحديث، حيث استنتج بالاندييه أن المجتمع لا يتيغر بمجرد سقوط نظام سياسي أو دخول مؤسسات حديثة، بل التغيير هو عملية معقدة تمتد في الوعي الثقافي والاجتماعي، وفي علاقات السلطة والهوية.
فإن كان غلاب قد صور التقاليد – ومن خلالها الماضي كله – بأنها مكون حي في الشبكة الاجتماعية، تعيق أحيانا التحول وتظل حاضرة في الذاكرة والسلوك، فإن بالاندييه يتقف معه أيضا في هذه الرؤية حين يعتبر أن التقاليد والنظم السلوكية القديمة هي جزء من العلاقات الاجتماعية المنتجة للمعنى. أي أن المجتمع لا يتخلى عن ثقافته القديمة بسهولة، بل يعيد إعادة بنائها ضمن بنية اجتماعية جديدة.
إن الماضي والذاكرة الجماعية لا يدفنان بمجرد إعلان التغيير، بل يستمران في الهيمنة على بنى الهوية والسلوك البشري وعلى وعي المجتمع بصفة عامة. مما يجعل من الماضي قوة ثقافية واجتماعية ونفسية ما زالت تساهم في تشكيل الفرد والجماعة.
ولعل المسافة الزمنية الفاصلة بين روايتي غلاب، والتي امتدت إلى أربعة عقود كاملة، كانت كافية للتأمل والتفكير وكذا الدراسة الميدانية لأحوال الناس والمجتمع، حتى أصبح الوازع ملحا لدى غلاب ليصحح فرضيته الأولى وليصل إلى يقين حتمي، مفاده أنه من العسير دفن الماضي في الوقت الذي يساهم فيه هو نفسه في تشكيل الحاضر والمستقبل
المصدر:
هبة بريس