يشهد الاقتصاد العالمي تحولات متسارعة تُرجِّح أن العالم دخل مرحلة ما قبل الأزمة، حيث تتقاطع عدة عوامل ضاغطة تشمل ارتفاع أسعار الطاقة، تقلبات الأسواق المالية، وانكماش السيولة العالمية، ما يزيد من هشاشة النظام المالي الدولي.
في هذا السياق، يبقى المغرب أمام اختبار دقيق لقدرته على امتصاص الصدمات الخارجية، والحفاظ على توازناته الاقتصادية والمالية، وسط تحديات متنامية على صعيد الطاقة والتجارة والاستثمار.
ويؤكد خبراء أن الاستعداد المبكر وتعزيز المناعة الاقتصادية للمملكة يُعدّان مفتاح تجاوز أي تداعيات محتملة، في وقت تتزايد فيه مؤشرات التوتر والقلق على المستوى العالمي.
في هذا السياق، قال الدكتور المهدي قيل، أستاذ الاقتصاد والتدبير، إن التحولات المتسارعة التي تشهدها الأسواق العالمية لم تعد مجرد تقلبات ظرفية، بل تعكس دخول الاقتصاد الدولي مرحلة “هشاشة مرتفعة” تتقاطع فيها عدة عوامل ضاغطة، على رأسها انتقال المستثمرين نحو السيولة والملاذات الدفاعية، وصدمة الطاقة، وتراجع ربحية قطاع تعدين العملات الرقمية.
وأوضح قيل في تصريج خاص للعمق، أن سلوك المستثمرين في الولايات المتحدة يعكس هذا التحول، مشيرا إلى أنه تم سحب نحو 24.78 مليار دولار من صناديق الأسهم الأمريكية خلال أسبوع واحد في مارس 2026، مقابل تدفقات قوية نحو صناديق النقد بلغت 32.73 مليار دولار، وهو ما يعكس نزعة دفاعية واضحة، قبل أن تشهد الأسواق لاحقًا عودة جزئية للتدفقات نحو الأسهم، ما يؤكد، بحسبه، أن المرحلة الحالية تتسم بإعادة تموضع سريعة ومضطربة بين الأصول الخطرة والدفاعية.
وأضاف المتحدث أن هذه الدينامية تخفي هشاشة أعمق داخل النظام المالي، مبرزا أن الصناديق المنهجية المرتبطة بالتقلبات قامت ببيع ما يقارب 108 مليارات دولار من الأسهم منذ بداية مارس، في حين سجلت صناديق التحوط العالمية أسوأ خسائر شهرية منذ أكثر من أربع سنوات، مع تسارع وتيرة البيع إلى مستويات غير مسبوقة منذ أكثر من عقد، إلى جانب شروع بعض صناديق الائتمان الخاص في تقييد طلبات الاسترداد، وهو ما يعكس تراجع مستوى السيولة وارتفاع مخاطر العدوى المالية.
وفي ما يتعلق بالطاقة، شدد قيل على أن العامل الطاقي يمثل أحد أبرز مصادر القلق، مشيرًا إلى أن أسعار النفط، وفق معطيات حديثة، ارتفعت بأكثر من 50% منذ أواخر فبراير، متجاوزة عتبة 100 دولار للبرميل، وهو ما دفع مؤسسات دولية إلى التحذير من تباطؤ النمو العالمي وارتفاع التضخم، في سياق وصفه بعض مسؤولي البنوك المركزية بـ”صدمة ركود تضخمي” تجمع بين ارتفاع الأسعار وضعف النشاط الاقتصادي.
وفي السياق ذاته، أبرز أن الذهب يواصل لعب دوره كملاذ دفاعي، حيث ارتفعت أسعاره مؤخرًا مع تزايد الحذر الجيوسياسي وضعف الدولار، في وقت أظهرت فيه استطلاعات أن نحو 40% من البنوك المركزية العالمية تدرس زيادة احتياطياتها من المعدن الأصفر، معتبرا أن أداء الذهب يعكس حالة التوتر بين المخاطر الجيوسياسية واتجاهات السياسة النقدية العالمية.
وبخصوص العملات الرقمية، أشار قيل إلى أن البيتكوين لم يعد مجرد أصل مضاربي، بل أصبح مرتبطًا ببنية إنتاجية تعتمد على الطاقة، موضحًا أن ارتفاع تكاليف الكهرباء وتشديد شروط التمويل يدفعان المعدنين إلى زيادة العرض لتغطية التكاليف، في وقت تتراجع فيه شهية المستثمرين للمخاطرة، وهو ما يضع هذا السوق تحت ضغط مزدوج.
وأضاف أن التوقعات الحالية تشير إلى إمكانية تراجع سعر البيتكوين إلى حدود 58 ألف دولار في سيناريو ركودي، رغم بقائه في مستويات مرتفعة نسبيًا حاليا.
وعلى المستوى النظري، اعتبر الخبير أن ما يجري يمكن تفسيره عبر ثلاث مقاربات أساسية، تشمل فرضية عدم الاستقرار المالي، ونظرية صدمات العرض المرتبطة بالطاقة، إضافة إلى ديناميات فقاعات الأصول والتوقف المفاجئ للتدفقات المالية، مبرزًا أن تلاقي هذه العوامل يرفع من احتمال انتقال الاقتصاد العالمي من مرحلة تباطؤ إلى أزمة أوسع.
كما نبه إلى هشاشة الأسواق الناشئة، مشيرًا إلى أن نحو 80% من تمويلها الخارجي أصبح يعتمد على استثمارات المحافظ، وهو ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات التدفقات المالية، خاصة في ظل تسجيل نزوح يقارب 70.3 مليار دولار خلال مارس 2026، وهو الأكبر منذ أزمة 2020.
وضعية المغرب
وفي ما يخص المغرب، أكد قيل أن الوضع لا يبدو مقلقًا على المدى الفوري، لكنه يستدعي الحذر، مشيرًا إلى أن المملكة تتوفر على مخزون طاقي محدود نسبيًا، في ظل غياب التكرير المحلي، مع توقعات بارتفاع فاتورة الطاقة وتوسع عجز الحساب الجاري خلال 2026.
وأضاف أن الاقتصاد المغربي، رغم توقعات نمو إيجابية، يظل معرضًا لتأثيرات خارجية، خاصة عبر قنوات الطاقة والتجارة الخارجية والمالية العمومية وثقة المستثمرين.
وختم المتحدث بأن العالم لا يعيش أزمة اقتصادية شاملة في الوقت الراهن، لكنه يوجد في مرحلة ما قبل الأزمة، حيث تتزايد مؤشرات الهشاشة.
وشدد على أن التحدي بالنسبة للمغرب لا يكمن في تفادي التأثر، بل في قدرته على امتصاص الصدمات الخارجية والحفاظ على توازنه المالي والاقتصادي.
* الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
المصدر:
العمق