بهدف تجاوز التعقيدات المسطرية وتسريع وتيرة التنسيق بين القضاء والقطاع الصحي، تتجه الحكومة نحو إرساء تحول رقمي شامل في مسطرة التصريح بالتبرع بالأعضاء، وذلك استنادا إلى خلاصات الزيارات الميدانية والإشكالات العملية التي تم رصدها بتنسيق بين وزارة العدل ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية. ويأتي هذا التوجه في سياق تعزيز النجاعة وضمان التدخل السريع في الحالات التي تستدعي الاستعجال الطبي.
وأكد وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أن الوزارة تعمل على مواكبة تنزيل مقتضيات القانون رقم 16.98 المتعلق بالتبرع بالأعضاء والأنسجة البشرية وأخذها وزرعها، وذلك في إطار تنسيق متواصل مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، بهدف تذليل مختلف الإشكالات العملية المرتبطة بتطبيقه وتبسيط مساطره.
وأوضح وهبي، في معرض جوابه على سؤال برلماني حول “تبسيط المسطرة القانونية للتصريح بالتبرع بالأعضاء”، أن وزارة العدل عقدت سلسلة من الاجتماعات التي ركزت على مناقشة عدد من الصعوبات العملية، خاصة تلك المتعلقة بمسطرة التبرع من طرف القاصرين، أو المرتبطة بالتوصل بوثائق موافقة لا تستجيب للشروط القانونية المطلوبة، فضلا عن الإشكالات المرتبطة بصعوبة الولوج إلى التصريحات بالتبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة الدماغية، كما هو منصوص عليه في المادة 14 من القانون المذكور، وهو ما يؤثر سلبا على عامل السرعة الضروري للحفاظ على حياة وسلامة المستفيدين.
وأشار الوزير إلى أن هذه الاجتماعات خلصت إلى وجود حاجة ملحة لإرساء آلية تنظيمية رقمية تتيح تحيين المعطيات وتبادلها بشكل آني بين الجهات القضائية والسلطات الصحية المختصة، بما يعزز النجاعة ويستجيب لخصوصية هذا المجال الذي يتسم بالحساسية والاستعجال.
وفي هذا الإطار، تم إحداث لجنة تقنية مشتركة تضم ممثلين عن مديرية الشؤون الجنائية والعفو ورصد الجريمة ومديرية التحديث ونظم المعلومات، حيث باشرت هذه اللجنة تنفيذ مجموعة من الإجراءات العملية.
ومن بين هذه الإجراءات، حصر عدد التقييدات بسجلات التبرع بالأعضاء على مستوى محاكم المملكة خلال العشر سنوات الأخيرة، بالنظر إلى أهمية هذه المعطيات في تحديد التوجه التقني المناسب لتطوير المنصة الرقمية المرتقبة. ولهذا الغرض، تم توجيه مراسلات إلى مختلف محاكم المملكة قصد موافاة الوزارة بالإحصائيات المتعلقة بالفترة الممتدة من 1 يناير 2013 إلى 31 دجنبر 2023، وهو ما أفضى إلى إحداث قاعدة بيانات دقيقة مكنت من تحديد الحجم الحقيقي للتصريحات المسجلة، وشكلت أرضية أساسية لمرحلة الرقمنة.
كما عملت اللجنة على الوقوف على الوضعية الحقيقية للسجلات والمساطر المعتمدة داخل المحاكم، من خلال برمجة زيارات ميدانية لأربع محاكم ابتدائية سجلت أكبر عدد من تصريحات التبرع بالأعضاء، وذلك بهدف رصد الإشكالات العملية والتفاوتات في طرق تدبير هذه الملفات، تمهيدا لإعداد تصور موحد وشامل لرقمنة السجل على الصعيد الوطني.
وشملت هذه الزيارات عدة محاور عملية، من بينها الوقوف على كيفية تلقي طلبات التبرع بالأعضاء وتسجيلها على مستوى كتابة الضبط، وتتبع مسار الملفات بعد صدور الأوامر القضائية، خاصة فيما يتعلق بكيفية تبليغها وإحالتها على المؤسسات الاستشفائية المختصة، إلى جانب دراسة طرق إحالة المعطيات إلى وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، وتحليل دورية معالجتها سواء بشكل فوري أو شهري أو سنوي، ومدى تأثير ذلك على عامل الزمن.
كما تم خلال هذه الزيارات مناقشة الإكراهات العملية المرتبطة بتتبع التراجع عن التبرع، في ظل غياب آلية رقمية تتيح تحيين المعطيات بشكل فوري، وهو ما يطرح تحديات حقيقية على مستوى دقة وسرعة تبادل المعلومات.
وفي سياق معالجة هذه الاختلالات، أبرز وهبي أن المعطيات الميدانية أظهرت أن غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة يعد من أبرز الإشكالات، حيث يؤدي ذلك إلى صعوبة التعرف الآني على وضعية المتبرع، وعدم وجود نظام فعال لتبليغ التراجع عن التبرع بشكل فوري، فضلا عن طول مسار إحالة التصريحات بين المحاكم والمصالح الاستشفائية المختصة.
واستنادا إلى هذه الخلاصات، كشف الوزير عن الشروع، بشراكة مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، في إعداد منصة رقمية وطنية لتدبير التصاريح بالتبرع بالأعضاء، تتيح تسجيل جميع التصاريح فور تلقيها من طرف رؤساء المحاكم، مع اعتماد نظام تحيين آني يمكن من إدراج أي تعديل أو تراجع بشكل فوري.
وأكد أن هذه المنصة ستعتمد على قاعدة بيانات مركزية مؤمنة، تمكن وزارة الصحة والمؤسسات الاستشفائية المعنية من الولوج الفوري إلى المعطيات المحينة، كما ستتضمن نظام إشعار إلكتروني تلقائي في الحالات المستعجلة، بما يضمن تسريع التنسيق بين المحاكم والقطاع الصحي، ويرفع من نجاعة التدخلات الطبية، ويساهم في تعزيز فرص إنقاذ المرضى المحتاجين لعمليات زرع الأعضاء.
المصدر:
العمق